تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 766

مساهمون:

ص٧٦٦
واختيار ، وعلى هذا كانت المسؤولية والحساب ، فإما العقاب وإما الثواب . وتحفل السورة بمشاهد وصور من الجنة والنار ، وبأوصاف للأبرار والمقرّبين . وفي الرواية عن ابن عمر أن حبشيا لمّا سمع هذه الآيات قال للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم : فضّلتم علينا بالصور والألوان والنبوة ! أفرأيت إن آمنت بما آمنت به ، وعملت بما عملت ، أكائن أنا معك في الجنة ؟ فقال له الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « نعم والذي نفسي بيده » ، ثم قال : « من قال لا إله إلا اللّه كان له بها عند اللّه عهد . ومن قال سبحان اللّه والحمد للّه كان له بها عند اللّه مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة » ، فقال الرجل : فكيف نهلك بعدها يا رسول اللّه ؟ فنزلت :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
( 1 ) إلى قوله :
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً
( 20 ) ، فسأل الحبشي : يا رسول اللّه ! وإن عينىّ لترى ما ترى عيناك في الجنة ؟ فقال له النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : « نعم » ، فبكى الحبشي حتى فاضت نفسه ، فلما دلّوه في الحفرة سمع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يقول :
إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً
( 22 ) . وروى أن أبا جهل قال : إذا رأيت محمدا يصلى لأطأنّ على عنقه ! فأنزل اللّه :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا ( 23 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً
( 24 ) ، و « أو » في الآية من جمالياتها ، وأوكد مما لو استخدم الواو ، لأن « الواو » لو استخدمها فأطاع أحدهما لم يأثم ، وأما « أو » فدلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى . وقيل : « أو » بمعنى لا ، والآثم المنافق ، والكفور الكافر الذي يظهر الكفر ، والمعنى : لا تطع منهما آثما ولا كفورا . وروى أن الآية نزلت في عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة ، وكانا قد أتيا الرسول صلى اللّه عليه وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج ، على أن يترك ذكر النبوة . والذي عرض التزويج عتبة ، قال : إن بناتي من أجمل نساء قريش ، فأنا أزوّجك ابنتىّ من غير مهر ، وارجع عن هذا الأمر . وقال الوليد : إن كنت صنعت ما صنعت لأجل المال ، فأنا أعطيك من المال حتى ترضى ، وارجع عن هذا الأمر - وبسبب هذا العناد من أهل مكة من أمثال أبى جهل ، وعتبة ، والوليد ، تنزلت الآيات تسلّى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وتخفّف عنه في قوله :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 25 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
( 26 ) ، ثم ذكّره تعالى بأنهم ما عاندوا ولا كابروا ولا كفروا إلا لأنهم يحرصون على الدنيا ، ويتناسون أن هناك يوما للقيامة والحساب ، ولقد خلقهم اللّه وأحكم خلقهم فما شكروا ولا ارعووا ، ولو شاء لبدّلهم ، ولم تكن هذه السورة - سورة الإنسان - ولا القرآن برمته - إلا تذكرة وموعظة لمن يريد أن يتذكر ويتّعظ وينزجر ، وتكون له طريقة إلى ربّه ، واللّه تعالى يهدى من يشاء ، وهو العليم الحكيم ، يعلم من يستحق الهداية ويطلبها واختارها لنفسه فيدخله في رحمته ، وييسّر له أسبابها ، وأما من يكفر فله العذاب الأليم .