كان يجوز له أن يحمل زوجته على ذلك ؟ وهل يجوز له أن يجبر جاريته عليه ؟ ثم هل يجوز له أن يحمل أطفاله على أن يجوعوا ثلاثة أيام بلياليهم ؟ ومن أجل ذلك ذهب بعض المفسرين إلى أن وضّاع هذه الحكايات كانوا من أهل السجون وقد طال بهم الحبس فيؤلفون مثل هذه الأحاديث المفتعلة ، ويضعون لها شعرا ركيكا يصاحبها ، يلهوهم في السمر وأشباهه ، وما من شئ إلا وله آفة ومكيدة ، وآفة الدّين ومكيدته أكثر من آفة ومكيدة أي شئ آخر . والصحيح في هذه الآيات أنها نزلت عامة في جميع الأبرار ، ومن أجل ذلك كان الخطاب في السورة كلها إلى الإنسان ، وهو اسم جنس ، فهو خطاب عام ، وسميت السورة باسم « سورة الإنسان » لهذا السبب ، وقيل أيضا هي سورة الدهر لأنها بدأت بقوله تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
. ومن المفسرين من الشيعة من يزعم أن السورة برمتها نزلت في علىّ أبي بن طالب ؛ ومن الصوفية من لفق لها مناسبة تتصل بمذهبهم ، فقالوا : إن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم نزلت عليه هذه السورة وعنده رجل يتلقى عليه ، فقرأها النبىّ صلى اللّه عليه وسلم حتى بلغ صفة الجنة في الآيات من 12 إلى 22 ، فزفر الرجل زفرة فخرجت نفسه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أخرج نفس صاحبكم - أو أخيكم - الشوق إلى الجنة » ذكره السيوطي من رواية بن وهب ، والشوق إلى الجنة إلى حدّ الموت من أحوال الصوفية ولم يعرف في زمن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولا زمن الخلفاء ، ولم يسمع به إلا في القرن الثاني الهجري مع ازدهار التصوف ، والحديث لذلك موضوع مائة في المائة .
ومن روائع سورة الإنسان أن تبدأ بالسؤال :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
( 1 ) ، و « هل » تكون جحدا أو تكون خبرا ، أو تكون استفهاما ، وجميعها تقريرية جوابا عن السؤال الذي تفتتح به السورة ، والمعنى قد جاء على الإنسان وقت لم يكن على شئ من القدر والأهمية ، ثم صار له هذا القدر وتلك الأهمية ، وبعد أن كان حيوانا كالحيوانات صارت له رتبة الإنسانية ، وبعد أن كان على هيئة بربرية وحال همجية وله طباع وحشية ، صار إلى حضارة ومدنية وعلم ورقىّ ؛ وبعد أن كان عدما صار خلقا ، فلقد خلقه تعالى على أطوار ، فكان في بدايته منيّا يمنى ، فصار نطفة أمشاج يختلط فيها ماء الرجل بماء المرأة ، وصار علقة ، ثم مضغة ، وأتمّ خلقه المادي ، وجعل له مشيئة الخير والشر ، ليبتليه ، وجعل له السمع والبصر ، أو صنعه عاقلا مميزا ، وهداه النجدين ،
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
( 3 ) ، فدلّت الآية على أن الإنسان له إرادة واختيار ، فلو شاء آمن ولو شاء كفر ، ولا إكراه في الدين ولا إجبار . وهذه الآية على ذلك من جملة الآيات التي تؤكد أن الإسلام يقوم على التخيير وليس على الإجبار ، وأن الإيمان من عدمه هو مسألة إرادة