تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 768

مساهمون:

ص٧٦٨
وأتى بالاستفهامين :
لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ
( 12 ) ، و
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ
( 13 ) لتعظيم هذا اليوم والتهويل ؛ وجواب الاستفهام :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 15 ) ، يكرر هذا الوعيد خلال السورة عشر مرات ، يريد به في كل مرة غير الذي أراد بالأخرى ، وفي كل مرة يطرح قضية ويعقّب عليها بويل يومئذ للمكذّبين ، يكذّبون ما قال ، وهكذا في كل مرة من المرات العشر ، ففي الأولى : كان المطروح يوم القيامة ؛ وفي الثانية : ما ينزل بالمجرمين في ذلك اليوم ؛ وفي الثالثة : أنه الخالق للإنسان من الماء ؛ وفي الرابعة : أنه خلق الأرض ورواسيها وأنزل الماء ؛ وفي الخامسة : مآل المجرمين في الآخرة وما يلقونه من نكال ؛ وفي السادسة : أحوال المجرمين في هذا اليوم ؛ وفي السابعة : تحدّاهم أن يكيدوا لو استطاعوا ؛ وفي الثامنة : ما أعدّ للمتقين من أنواع الإفضال والإكرام ؛ وفي التاسعة : هزأ من المجرمين ومصيرهم مقارنة بمصير المتّقين ؛ وفي العاشرة : بيّن لما ذا كان المجرمون على ما هم عليه . وفي كل مرة يكون فيه الوعيد للمكذّبين ، تكون القضية المطروحة مثار جدل ، وتقارع الحجة بالحجة ، وتفنّد الدفوع بالبراهين ، ويكشف عن المغالطات . ومن المنطق حسن العبارات وانتظامها ، ومنه أن تحفل السورة بأمثال هذا الطباق : « الأولين ، والآخرين ، والمجرمين ، والمكذّبين » ، وأحياء وأمواتا » . ومنه أيضا التكرار الجميل لأسلوب الاستفهام ، مثل قوله :
أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ
( 17 ) ، وقوله :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ
( 23 ) ، والآيات دليل على القدرة والتوحيد ، وتثبت صحة القول أن خلق الجنين إنما هو من ماء الرجل وماء المرأة ، وفي « قدرنا » في قوله :
فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ
( 23 ) إما أنها مشدّدة من التقدير ، وإما مخففة من القدرة ، والأولى قدّرنا وقت الولادة ، أشقيا أم سعيدا ، وطويلا أم قصيرا ؛ والثانية قدرنا بالفتحة ومن ثم كان قوله :
فَنِعْمَ الْقادِرُونَ
( 23 ) . ومن الاستفهام أيضا :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً
( 27 ) ، والكفات أي اجتماع الأحياء على ظهرها ، والأموات تجمعهم في بطنها ، فالمقابر كفات الموتى ، والبيوت كفات الأحياء ، وكان يسمون أرض البقيع « كفتة » أي مقبرة . أو أن الأرض تنقسم إلى حىّ ينبت ويتوالد ، وميّت لا ينبت ولا يتوالد ، وفيها ذلك جميعا ، وهي كفات له . والجبال رواسي للأرض ، وهذه النظرية يطرحها القرآن وتخلو منها التوراة والأناجيل ، فلما جعل الجبال أنزل عليها المطر يسيل إلى الأودية ، وجعل الجبال مخازن الخيرات للأرض ، وهي أمور أعجب من البعث ، فكيف يكذّبونه ؟ والويل لهم في الآخرة وهم يشاهدون النار عيانا يرتفع منها الدخان كأنه الظل ، فيخيل إليهم أن بوسعهم الاحتماء به ، وظل النار ذو ثلاث