شعب ، وهي حقيقة من العلم المشاهد ، يطلق القرآن على كل شعبة منها اسما : فشعبة هي : الضريع ( كالثدى للمرأة ، ) وشعبة هي الزقوم ( كالطعام المسموم ) ، وشعبة هي غسلين ( وهو ما يسيل من نتن من جلود أهل النار ) ؛ أو أن الشعب الثلاث هي : اللهب ، ثم الشرر ، ثم الدخان ، فهي ثلاثة أحوال في وصف النار إذا اضطرمت واشتدت . ووصفه الظل بأنه لا ظليل ولا يغنى من اللهب ، مثل قوله :
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ( 43 ) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ
( 44 ) ( الواقعة ) ، يعنى : لا يظلهم من حرّ النار ، ولا يكنّهم من لهبها ، وليس إلا دخان يرتفع منه ويتفرّق شعبا ثلاثا ، وسمّى العذاب « ظلا » تهكما واستهزاء بالمشركين ، وبالمقارنة :
فالمؤمنون في ظلال وعيون ، بينما المجرمون في سموم وحميم ، وظل من يحموم ( الدخان الأسود القاتم ) ، شبّهه بالشرر كالقصر ، فكل شرارة كشوامخ القصور ، وكأنها في تطايرها الجمالات الصفر ، أي الإبل فاقعة اللون المعروفة بسرعتها وقوتها ، فجاءت التشبيهات قمة في البلاغة ، وقيل : هي قلوس السفن ، أي حبالها ، شبّه بها الشرر المتطاير ؛ وقيل هي جمالات بالضم ، وهي الضخام من الأشياء أو الإبل . فكان من هول هذا اليوم أن أخرس المكذّبون ، لا يؤذّن لهم فيعتذرون ، ولا يقبل لهم عذر ولا حجة ، ولا تنفع الظالمين معذرتهم . ومن هذه الآيات نعرف أن ليوم القيامة مواطن ومواقيت ، والأحوال في هذا اليوم من المتشابهات ، فمرة يقول لا يتكلمون فيه ، وفي آية أخرى قال :
فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
( 108 ) ( طه ) ، وفي آية أخرى قال :
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
( 27 ) ( الصافات ) ، وقال أيضا :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
( 108 ) ( المؤمنون ) ، يعنى كلما همّوا بالكلام أسكتهم وألجمهم . فأي هؤلاء الصحيح ؟ وفي آية سورة المرسلات الكلام عن المكذّبين ، ولا يمكن أن يكونوا كذلك ويسمع لهم يوم القيامة ، يقول :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
( 36 ) ، وأما الآيات الأخرى فلها ملابساتها المختلفة وقوله بعد ذلك :
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ
( 38 ) زيادة في التعريف بهذا اليوم ، فكل من كذّبوا منذ بدء الخليقة جمعهم ، فيقول :
فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ
( 39 ) يعنى يقاوون اللّه لو استطاعوا ! ومن أساليب القرآن في المقابلة - وهي من الجدل من أبواب المنطق - أنه بعد أن يسرد أحوال المكذّبين وعذاباتهم ينوّه بأحوال المتّقين بالمقارنة ، فتكتمل الصورة الجمالية بزيادة ما فيها من تفاصيل متضاربة ومتخالفة : فالظل يقابله النور ، والفواتح تقابلها القواتم ، وها هم المجرمون يقابلهم المتّقون ، ويحتمى المجرمون بظل ذي ثلاث شعب ، وأما المتقون فهم في النعيم وتحت الظلال ، يتمتعون هم وأزواجهم ، ما بين سمر ، وذكر ، وطعام مما يشتهون ، يقال لهم :
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 43 ) ، مقابل ما يقال للمجرمين :
فَإِنْ كانَ