تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 762

مساهمون:

ص٧٦٢
فوجوههم ناضرة ومشرقة ، وإلى ربّها ناظرة ، والنظر إليه تعالى لا يكون بالبصر ، فهو تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
( الأنعام 103 ) ، وإنما النظر هو الانتظار ، تقول : نظرته ، أي انتظرته ؛ فإذا أردت به التفكير والتدبّر تقول : نظرت فيه ، وقد غلط من فسّر النظر بأنه الإبصار في الحديث : « إنكم سترون ربّكم عيانا كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أليس كلكم يرى القمر » ؟ وأجاب : « فاللّه أعظم ، فإنما هو خلق من خلق اللّه - يعنى القمر - فاللّه أجلّ وأعظم » أخرجه أبو داود . وعند النسائي قال : « فيكشف الحجاب فينظرون إليه » ، وعن جابر قال : « يتجلّى ربّنا عز وجلّ حتى ينظروا إلى وجهه » ، وفي هذه الأحاديث جميعا فإن النظر في نطاق :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
، بمعنى ينظرون إليه لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، ونظره تعالى يحيط بهم وذلك شئ من الغيب يتجاوز خبراتنا ومداركنا . ونعود إلى مشاهد يومىّ الموت والقيامة ، يمزج بينهما ، لأن من يريد أن يعرف إمكان البعث فإن عليه أن يتدبّر الموت ، فمثل ما كنا عدما فأحيانا ثم أماتنا ، فهو تعالى قادر على أن يبعثنا . ومن مشاهد الموت أن النفس تبلغ فيها التراقى :
كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 ) وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ( 28 ) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ
( 30 ) ، كقوله :
إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ
( 83 ) ، والتراقى أعلى الصدر ومقدم الحلق وموضع الحشرجة ، وقوله : « كلا » أسلوب قرآني فيه التنبيه ، وتفصل « كلا » بين المشاهد ، والمشهد كله معجز ، وتجرى العبارات تصويرا لحوار متخيّل بين الحاضرين للموت ، فيتساءلون : هل من طبيب يراه ويرقيه لعله يشفى ؟ فلما استيأسوا منه وأصابه اليأس من حالته ، عندئذ يعلم أنه الموت ، فإذا عاينه التفت الساق بالساق ، أي تخاذلت أعضاؤه على بعضها ، أو أنها التفت قيل ذلك وفيه بعض الرمق ، وقد أخذت الرهبة منه كل مأخذ ؛ أو أن الساق هي الشدّة ، كقول القائل : « قامت الدنيا أو الحرب على ساق » ؛ وفي الموت تجتمع على الإنسان شدّة كرب الموت ، مع شدّة هول المطلع ، وتتابع عليه الشدائد ، فأهله يجهّزون جسده ، والملائكة يجهّزون روحه ، فذلك هو التفاف الساق بالساق ، أو أن الساق الأولى ، أي الكرب الأول ، هي حشرجة الموت ، والساق الثانية هي الكروب عند البعث وشدائده ، وفي كل الأحوال فرجوعه إلى اللّه يساق إليه سوقا . قيل : وهذا كله هو في أحوال أبى جهل :
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ( 31 ) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
( 32 ) ، فهو لم يصدق الرسالة ، ولم يصلّ ، وكذّب بالقرآن ، وتولّى عن الإيمان . واستخدام « لا » في قوله :
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى
بمعنى « لم » يصدق ولم يصلّ . وأعطت « لا » للعبارات نكهة خاصة من البيان ، والعطف في :
وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
أكد المعنى . ثم انظر إلى بقية السورة في قوله :
ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى
( 33 ) أي فلمّا كابر انصرف متباهيا يتبختر
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 762 | عبد المنعم الحفني