بعلمه ثانيا ، لأن العلم يؤدى إلى الإيمان وليس العكس ، والإيمان هو الغاية من العلم ، فأهل الإيمان مقدّمون على أهل العلم .
وتتطرق السورة إلى مجال آخر من مجالات الأدب مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تقول :
إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 12 ) ، ومناجاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم هي أن يخلصه بسرّ ، وكان المسلمون يكثرون المسائل عليه حتى شقّوا عليه ، وكان بعضهم يشغلونه ويناجونه ، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونه بالنجوى ، فشقّ عليهم ذلك ، فأمروا بالصدقة عند النجوى ليقطعوا عن استخلائه . وكان اليهود والمنافقون يناجونه ويقولون : هو أذن يستمع لكل شئ ولا يمنع أحدا من مناجاته . ولم يذكر لصدقة النجوى أي مقدار معين ، فالأمر متروك للمتصدّق ، وإن لم يجد فلا شئ عليه ، وبعضهم كالمنافقين ، كانت الصدقة بوسعه ولكنه بخل ، فنزلت الآية :
أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
( 13 ) ، والتوبة تعنى إعفاؤهم منها ، وذلك ليس نسخا للآية قبلها كما قيل ، وإنما هي تأكيد لما قبلها في قوله :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 12 ) ، وتكفى الزكاة وأداء الفرائض لأمثال من أراد أن يستعفى من صدقة النجوى . وقيل إن أحدا لم يتقدم بشيء من هذه الصدقة ، والذين نسبوا لعلّى أنه كان أول من تصدّق ، ولم يكن أحد بعده ، ادّعوا ذلك ليقدّموه على غيره ، وهؤلاء من شيعته ، وقالوا إنه تصدّق بخاتم . وواضح من الآيتين بعد ذلك في قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
( 14 ) وقوله :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
( 16 ) أن الذين كانوا يشوّشون على تعاليم القرآن وتعليم الرسول صلى اللّه عليه وسلم هم المنافقون واليهود ، ومن الأولين عبد اللّه بن أبىّ ، وعبد اللّه بن نبتل ، وكانا يجالسان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ثم ينقلان ما يسمعان إلى اليهود ، وإذا عوتبا كذّبا التهمة وحلفا باللّه أنهما لصادقان . وفي أمثالهما نزلت الآيات المتبقية من سورة المجادلة ، تنبّه إلى العذاب المنتظر لهؤلاء ، ولكل من يحادّ اللّه ورسوله ، واللّه غالب على أمره ، وتحذّر المؤمنين أن يوادّوا من حادّ اللّه حتى لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، وتقسّم الناس إلى حزبين : حزب الشيطان : وأعضاؤه الكاذبون الذين نسوا اللّه ، وهم من المترفين أصحاب المال والحسب والنسب ، وحزب اللّه : وأفراده من المؤمنين الذين يعمر الإيمان قلوبهم ، والذين يؤيدهم اللّه بروح منه ، ولا يحادّون اللّه ورسوله ، ولا يوادّون من حادّ اللّه . والأوّلون حزبهم هو الخاسر ، والآخرون حزبهم هو الفالح .
ومن مصطلحات هذه السورة : الجدل في قوله تعالى : « التي تجادلك » ، وهو حوار بين أطراف لبلوغ الحقّ ، ودعوة إلى كلمة سواء ، وكانت حجة خولة بنت ثعلبة قوية في رفض