تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 714

مساهمون:

ص٧١٤
فقال : « إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت » ، وفي ذلك نزلت الآية :
وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ
( 8 ) ولمّا ذكرت السورة أن المنافقين واليهود يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول صلى اللّه عليه وسلم ثنّت فنهت المؤمنين أن يفعلوا ذلك ، وأمرتهم أن تكون نجواهم بالبرّ وتقوى اللّه الذي إليه يحشرون . ووصفت النجوى بأنها من الشيطان ، وردّت الدافع إليها عند غير المؤمنين هو إدخال الحزن على المؤمنين ، والدافع النفسي أقوى من أي دافع مادي ، وإحباط المسلمين إصابتهم بالاكتئاب وبلبلة تفكيرهم ، والفتّ في عضدهم ، وهو نوع من الحرب النفسية المقصود بها اختراق الدفاعات النفسية للمسلم ، وإضعاف جبهته الداخلية ، وخلخلة مقاومته ، وإنهاك قواه الذاتية ، وذلك كله لا يمكن أن يتحقق مع إيمان المؤمنين ، فالإيمان يكسبهم مناعة ذاتية ، وهو بمثابة الدرع الواقى . والتناجى لا يضر أحدا ، إلا لو كان هذا الضرر قد كتبه اللّه على المضرور من قبل وقوع الضرر ، ولا ضرر من التناجى إذا توكل المؤمنون على اللّه حقّ التوكل ، وفوّضوا إليه أمرهم ، واستعاذوا به من أذى المتناجين ، ويشبه التناجى في العمليات النفسية ما يسمونه « التأثير عن بعد » و « التأثير بالإيحاء » ، وكلاهما من أبواب التحليل والطب النفسي . والوصفة الطبية التي يصفها القرآن لإبطال مفعول التناجى هي وصفة نفسية ، وهي المزيد من الإيمان باللّه ، والأخذ بأسبابه والاعتقاد جازما أنه ما أصيب مؤمن ولا نجا إلا بإذنه تعالى ، وعن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس ، من أجل أن يحزنه » ، أي حتى لا يقع في نفسه ما يحزن لأجله ، ولا يظن أن حديث الاثنين عنه بما يكره ، أو أنه ليس أهلا ليشركوه في حديثهما ، والخطاب للمؤمنين ، والتعليم لهم ، فلا يتناجى أربعة دون واحد ، ولا عشرة ، ولا ألف ، والآية ضمن باب آداب السلوك في الإسلام . وطالما أننا بصدد الآداب العامة للسلوك في الاجتماع ، فإن السورة تطرّقت إلى آداب المجالس ، تقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
( 11 ) ، والخطاب والتعليم للمؤمنين ، أمروا أن يفسحوا لإخوانهم في المجالس أيا كانت ، سواء كانت للعلم ، أو للذكر ، أو للمداولة في أمور السياسة والتجارة ، أو للصلح ، فإن لكل واحد من السامعين أو المشتركين مكانا فيها حتما ، وهو أولى به بحسب أحقيته ، والمعيار في ذلك هو الإيمان والعلم ، فأهل الصلاح والعلماء لهم السبق إلى صدور المجالس ، وهؤلاء يرفعهم اللّه درجات عن غيرهم من السواد والعامة ، ولهم الرفعة ، والمؤمن مرفوع بإيمانه أولا ، ثم
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 714 | عبد المنعم الحفني