كثيرون وكان أولهم أوس بن الصامت شقيق عبادة بن الصامت ، وامرأته خولة أو خويلة ، وقيل جميلة بنت ثعلبه بن مالك ، وقيل : بنت حكيم ، أو بنت دليج ، أو بنت خويلد ، والأصح أنها خولة بنت ثعلبة ، وكان زوجها أوس قد حلف عليها فقال : « أنت علىّ كظهر أمي » ، فخشيت أن يكون ذلك طلاقا ، فأتت الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت : يا رسول اللّه ، إن أوسا ظاهر منى وإنّا إن افترقنا هلكنا ، وقد نثرت بطني منه وقدّمت صحبته ! وشكت إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم وهي تبكى ، وجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لها : « يا خويلة ، ابن عمك شيخ كبير فاتقى اللّه فيه » . ولم يكن قد نزل في القرآن شئ عن الظهار ، وما برحت المرأة تجادل عن نفسها وتقسم للرسول صلى اللّه عليه وسلم فتقول : واللّه ما ذكر أوس طلاقا ! ثم قالت : أشكو إلى اللّه فاقتي ووحدتي ووحشتي ، وفراق زوجي وابن عمى وقد نفضت له بطني ! وقالت : يا رسول اللّه ، قد نسخ اللّه سنن الجاهلية ؛ وما طلّقنى زوجي ولكن ظاهر منى ! فقال لها :
« ما أوحى إلىّ في هذا شئ ؟ » فقالت : يا رسول اللّه ، أوحى إليك في كل شئ وطوى عنك هذا ؟ ! فقال : « هو ما قلت لك » ، فقالت : إلى اللّه أشكو لا إلى رسوله ! فأنزل اللّه صدر سورة المجادلة :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
( 1 ) ، وتسمّى آية الظهار ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأوس تكفيرا : « اعتق رقبة » ، فقال أوس : ما لي بذلك يدان ، يعنى أنه فقير لا أرقاء عنده . فقال له : « فصم شهرين متتابعين » ، فقال : أما أنى إذا أخطأنى أن آكل في يوم ثلاث مرات يكلّ بصرى - يعنى أنه أضعف من أن يصوم . فقال له : « فأطعم ستين مسكينا » ، فقال : ما أجد إلا أن تعيننى منك بعون أصله . فأعانه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخمسة عشر صاعا ( مكيالا ) .
والظهار من الظهر ، والموجب لحكم الظهار تشبيه الظهر المحلّل بظهر محرّم ، فمن قال لزوجته : أنت علىّ كظهر أمي ، صار مظاهرا . والرجل لا يركب ظهر المرأة وإنما يركب بطنها ، ولكن كنّى عن ركوب البطن تأدّبا ، بركوب الظهر ، لأن ما يركب من الحيوانات فإنما يركب ظهره ، فكنّى بالظهر عن الركوب وليس عن النساء بالحيوان . ومعنى « أنت علىّ كظهر أمي » ، أن المرأة صارت محرّمة عليه ولا يحلّ له ركوبها إلا بعد كفّارة والظهار لذلك على الرجال ، وليس على النساء ظهار . والمظاهر لا يقرب امرأته ولا يباشرها حتى يكفّر ، ولا يصحّ ظهار غير المدخول بها . والظهار ضربان : صريح وكناية ، فالصريح بقوله : أنت علىّ كظهر أمي ؛ والكناية كقوله : أنت علىّ كأمي ، أو مثل أمي . وقوله :
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
( 3 ) ، لا يعنى أن كفارة الظهار لا تكون إلا إذا ظاهر الزوج امرأته للمرة الثانية ، وإنما يعنى العود والعزم على مواصلة