تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
يظن أحد أن سفر القضاة كتبه القضاة أنفسهم ، وإنما الظن أن كاتبه شخص واحد ، وأنه كتبه بعد زمن القضاة ، لأنه في نهاية الفصل الحادي والعشرين منه قال : في تلك الأيام لم يكن لبنى إسرائيل ملك ، وكان كل إنسان منهم يعمل ما حسن في عينيه » ، ومثل هذا الكلام لا يمكن أن يكون قد كتب إلا بعد عهد الملوك وليس قبل ذلك ! وكذلك لم يكتب الملوك أسفار الملوك الأربعة ، وكاتبها جمع هذه القصص مما كان يروى من أخبار عن سليمان وملوك يهوذا وإسرائيل ! وهذه الأسفار لا يمكن أن يقال عنها أنها دينية ، والحديث فيها ممل وجاف . ومن رأى سبينوزا : أن عزرا ربما هو الذي صاغها هذه الصياغة فجاءت دون ترتيب ولا تحقيق ، بدليل أن الروايات نفسها تتكرر في الأسفار بألفاظ مختلفة ، وتضطرب أزمنتها وتتداخل ، ويردّ سبينوزا ذلك إلى جبلّة في اليهود : أنهم يعجزون عن السرد الروائي المنظّم ، وأن الزمان عندهم لا قيمة له ، فالماضى كالحاضر ، كالمستقبل ، والجميع سواء ، والسرد الروائي لذلك لا يعرف الترتيب ولا التتابع الزمنى ، ويجهلون البناء المنطقي للأحداث ، وأن يكون لها نسق . وكتّاب التوراة لم يعرف لهم منهج ولا قاعدة في السرد والرواية ، وليس لليهود كأمة أو كشعب « ذات جماعية » واحدة ، فكل راو يفسّر الأحداث على هواه ، وينتقى منها ما يشاء ، ولذلك فإن من يتصدّى بالتفسير لهذه التوراة سيجد الكثير مما يمكن أن يتشكك فيه ، وسيتبين أن الكلام في الكثير من الفقرات أبتر ، وأن هناك الكثير من العبارات قد أسقطت ، وأن التعاليم الأخلاقية تصادم بشدة بالأفعال التاريخية التي يقوم بها الملوك ، وأن موسى ويشوع استخدما السيف وأشبعا الشعوب قتلا ، وأزهقوا أرواح الأطفال والنساء ، ولم يعفوا أحدا من الذبح ، فكيف يمكن أن يقال عن هؤلاء أنهم دعاة إلى اللّه ، وأن لهم شريعة ، وأنهم أولى بحكم العالم ؟ وأن التوراة حافلة بالأسرار والحكم ، ؟ وهو ما يدّعيه القباليون أو الأصوليون أو السلفيون من اليهود ، وما يزعمه المتعصبون المتطرفون في الوطنية ؟ ويتطرق سبينوزا إلى كل سفر من الأسفار ، ويثبت التدليس والتحريف فيه ، ويعجب من إدخال سفرىّ أخبار الأيام ضمن الكتاب المقدس ، فالنص فيهما غير متسلسل ، وفيهما تعميم وابتسار ، ثم إن كاتبهما منحاز إلى ملوك يهوذا دون ملوك إسرائيل . والمعتقد أن سفر نحميا وسفر عزرا يماثلان في التأليف سفرىّ أخبار الأيام ، والأرجح أن الأسفار الأربعة لمؤلّف روائي واحد ، وأنه اتّبع في تأليفه لأخبار الأيام ما وجده في أسفار الملوك وأضاف تفاصيل أخرى وزيادات . واستبعد سبينوزا من الكتاب المقدس الأسفار المنتحلة ، وهذه الأسفار في ظنه لم يكتبها عزرا وإنما ألّفها الفريسيون تأليفا ، فاستبعدوا ما شاءوا ، وأثبتوا ما شاءوا ، واستنكر