الممكن أن يمالئ هذا أو ذاك ، ولولا السماء لفعل ذلك ! وفي رواية أخرى : أن أكابر قريش قالوا للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم : اطرد عنا هؤلاء السقّاط الموالى ، حتى نجلس معك ونسمع منك ، فهمّ بذلك حتى نهى عنه . وفسّر ذلك قتادة فقال : ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح ، يكلّمونه ، ويفخّمونه ، ويسوّدونه ، ويقاربونه ، فقالوا : إنك تأتى بشيء لا يأتي به أحد من الناس ، وأنت سيدنا . وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون ، ثم عصمه اللّه من ذلك ، وأنزل هذه الآية ! والرواية هنا أكثر نكرا ، لأنهم يظهرونه فيها كما لو أنه ينطلى عليه تفخيمهم له وتسييدهم ، حتى ليكاد يرضخ لهم ! ومما يرويه قتادة أكثر من ذلك : أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال : اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » رواه الطبري وأبو حبان ، وذلك بسبب قوله تعالى :
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
أي تميل إلى أقوالهم ، لولا أن اللّه ثبّته على الحق ، وعصمه من موافقتهم ، وحال بينه وبينهم ، ومنعه من أن يرضخ لهم ولرغباتهم وينقلب على أصحابه ومبادئه إرضاء لهم ! ! وهذه الأقوال كلها باطلة ، ولا تستقيم مع السياق ولا مع القرآن وتضاده تماما ، فظاهر الخطاب في الآية للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وباطنه إخبار عن أهل ثقيف الذين كانوا موضوع الآية ، وكانوا يمتدحونه ، ويستميلونه إليهم ، ولولا فضل اللّه عليه بالاصطفاء والنبوة والعصمة ، لكان منه ميل إلى موافقتهم ، ولو فعل لأذاقه اللّه تعالى مثلىّ عذاب الدنيا والآخرة ، فكلما كانت الدرجة أعلى كلما كان العذاب عند المخالفة أشدّ وأنكى ، كما جاء عن نساء النبىّ صلى اللّه عليه وسلم :
يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ
( 30 ) ( الأحزاب ) . ومن ثم فلا صلة بين آية الفتنة وقصة الغرانيق التي تناولناها قبلا ، والتي ذهب في تفسيرها رواة الإسرائيليات ، مذاهب تحطّ من شأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وتظهره بمظهر مشين ، وللأسف فإن رواياتها قد صدرت أولا عن منافقين مدلّسين كانوا مسلمين اسما ، وقالوا بهذه التفسيرات ، فلم يكن عجيبا أن يحتج بها المستشرقون وأعداء الإسلام من بعد للطعن في النبىّ صلى اللّه عليه وسلم طالما أن مروّجيها كانوا مسلمين ولو اسما !
* * *
489 . الإسرائيليات في آية الاستفزاز
يقول اللّه تعالى :
وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا
( 76 ) ( الإسراء ) . وكدأب ابن عباس غالبا عندما ينقل عن اليهود أسبابا لنزول القرآن ، أو لتفسيره ، من شأنها أن تهزّ صورة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم عند المسلمين وتجعله يبدو كما لو كان اليهود يتلاعبون به ، قال : حسدت اليهود مقام النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، فقالوا :