التفسير ، لأن اللّه يقول
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
أي يبطله ، وشفاعة الملائكة غير باطلة .
ومن كل هذا التضارب كما ترى يتأكد أن حكاية الغرانيق من أراجيف رواة الإسرائيليات ، وتلقّفها المستشرقون للتشنيع على الإسلام ، أو أنها لو كانت قد جرت ، فإنها لم تكن تعدو إشاعة أو تشنيعة ، وفي علم نفس الإشاعات توصف أمثال هذه الإشاعة بأنها مستبشعة ، ومن دأب العدو الذي يروّج لها أن يهوّل منها ، فكلما زاد التهويل كلما كان للإشاعة مردود على الجماهير ، ولو ببعض التأثير ، ولن تكون عديمة التأثير أبدا ، ومن تهويلهم في شأن حكاية الغرانيق - أنهم قالوا إن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لمّا عرف ما قال ، ندم عليه وقال : افتريت على اللّه وقلت ما لم يقل !
* * *
488 . آية الفتنة من سورة الإسراء مثل آخر كالغرانيق
قال المستشرقون إذا كانت قصة الغرانيق في سورة النجم غير صحيحة ، فلما ذا كانت « آية الفتنة » إذن التي تقول :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ( 73 ) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً
( 75 ) ( الإسراء ) ، أليس ذلك لأن قصة الغرانيق صحيحة ، وتثبتها آية الفتنة ؟
ويقول راوي الإسرائيليات سعيد بن جبير ، المولود سنة 45 ه ، والذي لم يحضر أيا من أسباب نزول القرآن : كاد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه ، فمنعته قريش ، وقالوا : لا ندعك تستلم حتى تلمّ بآلهتنا ( أي تزورها ) . فحدّث نفسه ( أي الرسول صلى اللّه عليه وسلم ) ، وقال : ما علىّ أن ألمّ بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر ، واللّه يعلم أنى لها كاره ؟ فأبى اللّه تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية ! - فهذه رواية ابن جبير تطعن في أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم ، ويريد منا هذا الملعون أن نصدقه فيها ! والمستشرقون يصدقونه ويروّجون لمثل أقواله . ورواية سعيد جاء مثلها : عند الطبري في « جامع البيان » ، والماوردي في تفسيره ، وابن عطية في « المجرد الوجيز » .
وجاء عند الطبري والماوردي عن مجاهد وقتادة ، وفي رواية أخرى ، نقلا عن ابن عباس ، والثلاثة من صناع الإسرائيليات ورواتها : أن هذه الآية نزلت في وفد ثقيف لمّا أتوا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فسألوه شططا ، فقالوا : متّعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها ، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا ، فهمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يعطيهم ذلك ، فنزلت هذه الآية . وقوله « همّ الرسول » هو تأكيد للمرة الثانية للصفة الزرية التي ينسبونها للنّبىّ صلى اللّه عليه وسلم : أنه كان من