تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
يكرهون لأنفسهم ؟ ويصف القرآن ذلك بأنه ليس عدلا منهم ، فهل بعد هذا الذم يأتي اللّه تعالى بمدح لهذه الإلاهات يناقض الذم السابق ، فيصفها تعالى بأنها غرانيق علا ترتجى شفاعتهن ؟ ! ! ومن جهة أخرى فلو أمعنا العقل في هاتين العبارتين المضافتين « تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى » فقد لا نرى أن المعنى فيهما متعارض مع السياق ، فالعبارتان تقالان من باب السخرية والازدراء لأسماء اللات والعزى ومناة ، فيكون المعنى : اللات والعزى وهذه المناة الأخرى ، اللاتي يقولون إن شفاعتهن ترتجى ! ! وهي طريقة في الكلام نسمعها كثيرا في العامية كلما أراد المتحدث التهوين من شأن شئ ما ، وتكون العبارتان إذن ذما شكلا وموضوعا ، وليس بهن أي مدح ولو أقل القليل . وهذه الفرية أو التشنيعة التي شارك فيها الأقدمون والمحدثون ، أحزنت النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في وقتها لما أثارته من الشبهات ، وما سببته من الفتن . وقد ربط البعض لذلك بين هذه الحادثة وبين آيتين ، الأولى :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ( 73 ) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً
( 75 ) ( الإسراء ) ؛ والثانية :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
( 52 ) ( الحج ) ، والآيتان نزلتا في أمور أخرى وليست لهما صلة بهذه الحادثة ، فلا يحتج بهما على أن حادثة الغرانيق هذه قد جرت فعلا ، وسنتناول الآيتين بعد الانتهاء من حكاية الغرانيق ، وسياقهما مختلف تماما ، وقوله تعالى في الأولى :
كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
ليس معناها أنهم قاربوا أن يحققوا لأنفسهم ذلك ، وإنما أنهم حاولوا من خلال إنصاته لهم ، ولم يفلحوا أن يفتنوه لأنه معصوم ومثبّت من اللّه . فكما ترى الآية تحكى عن شئ آخر ، ومع ذلك فهي بإزاء الحكاية التي نحن بصددها تؤكد استحالة وقوعها ، لأنه مع العصمة والثبات لا يمكن أن يلقى شيطان على لسانه صلى اللّه عليه وسلم شيئا مخالفا لمطلوبه تعالى . وكذلك فإن الآية الثانية تؤكد أن محاولات شياطين الإنس والجن لم تتوقف عن التشويش على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في رسالته ، ومعنى :
إِلَّا إِذا تَمَنَّى
أي حدّث ، ومعنى :
أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
أي في حديثه ،
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
أي يبطله . والآية موضوعها ليس الغرانيق ، إلا أنها كذلك تؤكد أن حادثة الغرانيق هذه ما كان يمكن أن تحدث للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم بالطريقة التي رووا عنها ، ولذلك فقد حاول آخرون روايتها بطريقة مختلفة ، فذكر الكلبي أن النبىّ لمّا بلغ :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
( 20 ) لبّس عليه الشيطان أن يضيف « والغرانقة العلا وإن شفاعتهن لترتجى » ، وفسّر الغرانقة بالملائكة . ولم ير القشيري هذا
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 451 | عبد المنعم الحفني