تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
يدل على التعيين أو الحاجة إلى بيانه . وفي مسألة عصا موسى ، اختلف الوضّاعون في نوع خشبها وطولها ، فأورد الرازي عنهم ، وأكد أن نصّ القرآن يدل على أن مقدارها يجعل من الممكن التوكؤ عليها ، وأن تنقلب حيّة ، فعيّن لها طولا وغلظا يصلحان للمهمتين . ومن رأى الرازي مع ذلك السكوت على أمثال هذه المسائل التي لا تقدّم ولا تؤخر ، إلا أنه كان يتساهل فيما دون ذلك مما لا ضرر منه ، ولا يطعن في نبىّ ، ولا يتعارض مع أحكام القرآن ، وفي هذه الحالات كان ينقل عن مقاتل ، ووهب ، والكلبي ، والسدّى ، وأمثالهم ، ولا ينسب إليهم مع ذلك ! وكان يكتفى بأن يقول روى ، فمثلا في تفسير قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
( 7 ) ( الفجر ) قال : روى أنه كان لعاد ابنان : شدّاد وشديد ، فملكا وقهرا ، ثم مات شديد ، وخلص الأمر لشدّاد ، فملك الدنيا ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة ، فقال : أبنى مثلها ، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة ، وكان عمره تسعمائة سنة ! وهي مدينة عظيمة سورها من الذهب والفضة ، وأساطينها ( يعنى أعمدتها ) من الزبرجد والياقوت . والقصة كما ترى من الإسرائيليات ، وتورد تفاصيل لا دليل عليها ، وواضح أن الرازي لم يرفضها كقصة ، ولم يمحّصها ، وقبل ما تقول به من التفسير ، باعتبار أن العماد هي الأساطين أي العمدان ، بما يعنى أن المدينة كانت من المباني الضخمة ، مع أن السياق يدل على أن العماد هي عماد الخيام ، وأنها من ثم مدينة خيام ، وربما المعنى أن أهلها هم أهل عمد ، أي كانوا طوال القامة . وقوله تعالى :
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
( 8 ) ( الفجر ) إنما لتخويف المعاندين ، بأنه تعالى قد أهلك من قبلهم وإن كانوا أشد منهم قوة . فحتى الرازي كانت له انحرافات في التفسير . * * *

440 . القرطبي و « الجامع لأحكام القرآن »

يعتبر كتاب « الجامع لأحكام القرآن » من أجلّ التفاسير وأعظمها نفعا ، وصاحبه أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح ، الأنصاري ، الخزرجي ، الأندلسي ، القرطبي ، المفسّر ، توفى سنة 671 ه ، وكان من عباد اللّه الصالحين ، والعلماء العارفين ، الورعين والزاهدين في الدنيا ، المشغولين بما يعينهم من أمور الآخرة ، وبلغ من زهده أن طرح التكلّف ، واكتفى بثوب واحد يمشى به بين الناس ، وعلى رأسه طاقية ، وخصّ وقته كله للعبادة والتصنيف حتى أخرج للناس ما أخرج من مؤلفات ، منها كتابه هذا الذي أسماه : « الجامع لأحكام القرآن ، والمبيّن لما تضمّن من السنّة وآي الفرقان » ، أسقط منه القصص والتواريخ ، وأثبت عوضها أحكام القرآن ، واستنباط الأدلة ، وذكر القراءات والإعراب والناسخ
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 387 | عبد المنعم الحفني