فمن اعتنق دعوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله فقد فاز بالحياتين ، المادّيّة والمعنويّة ، الدنيا والآخرة ، ومن نأى بجانبه عن دعوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله فقد دفع بنفسه إلى هاوية لا ينجو منها . إنّها المعيشة الضنكا ، والخسران المبين في الدنيا والآخرة .
يدعو محمّد صلّى اللّه عليه وآله الناس بالحكمة ، ولا يدعوهم بالسحر والشعوذة . ويدعوهم بالموعظة الحسنة ، ولا يدعوهم بالرياء والخدعة . فدعوته صادقة طيّبة ، وليست بكاذبة خدّاعة .
وإنّ الدين الذي جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وآله هو دين العقل ، إذ ليس في مبادئه ومفاهيمه ما لا يصدّقه العقل ولا ما ينكره ، ولذا سمح بالمجادلة بالتي هي أحسن ، ولم ينه من اتّبعه عن البحث والنظر .
وقد منع اللّه رسوله عن التوسّل بالأساطير وبما يخدع النفوس من الأحاديث والقصص . إنّه أمين عند ربّه ، كما لقّب بالأمين من جانب خصومه .
وما أجدر الإشارة إلى بعض دعوات محمّد صلّى اللّه عليه وآله بالحكمة ، وإلى بعض دعواته بالموعظة الحسنة ! وكلّ مواعظه حسنة ، وإلى بعض مجادلاته بالتي هي أحسن ، وكلّها بالتي هي أحسن .
ومن دعواته بالحكمة
غادر المدينة أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس ، وهما من الخزرج ، وكانت بين الأوس والخزرج حروب استمرّت بينهم دهرا طويلا ، حتّى زاد عددها على العشر في سنين قلائل . وكانوا لا يضعون السلاح بالليل ولا بالنهار ، وكان آخر حروبهم يوم « بعاث » ، وكان النصر فيها للأوس على الخزرج .
وكان أسعد صديقا لعتبة بن ربيعة - وهو من سادات قريش - فنزل عليه في مكّة وأخبره بحروب كانت بينهم ، وقال : جئناك نطلب الحلف على الأوس ، فقال له عتبة :
بعدت دارنا عن داركم ، ولنا شغل لا نتفرّغ لشيء ، قال : وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم ؟ قال عتب : خرج فينا رجل يدّعي أنّه رسول اللّه ، سفّه أحلامنا ،