وقد تعلّم منه المسلمون حسن المعاملة في حروبهم ، فلم يعرف تأريخ البشريّة أناسا أحسن أفعالا من المسلمين في حروبهم مع أعدائهم !
نوعيّة الدعوة
لا تكون الدعوة بالحقّ إلّا بالحقّ . وإنّ نشر دعوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله لم يكن إلّا في إطار الحكمة والموعظة الحسنة ، وإنّ البارئ - عزّ اسمه - لم يسمح لرسوله بطريق ثالث لدعوته العالميّة ، فإنّ قداسة الهدف لا تبرّر الوسيلة عند القرآن . فقد فرض القرآن على الداعية أن تكون دعوته في إطار الحقّ ، فإنّ الدعوة إلى الحقّ لا تكون إلا بالحقّ ، وإنّ الباطل لا يصلح لأن يصير طريقا إلى الحقّ . إنّه اعوجاج عن الطريق إلى الهدف ، فكيف يتحقّق به الإيصال إلى الهدف ؟ !
ومن قال : إنّ قداسة الغاية تبرّر الوسيلة فقد أخطأ وحاد عن الصواب ، إذ الباطل لا ينجب إلّا الباطل ، وكيف يكون الظلام طريقا إلى الضياء ؟ !
إنّ الطريق هو الخطّ المستقيم بين السالك وبين غايته ، وغير المستقيم من الخطوط لا يوصل إلى الغاية . وإنّ السائر في الظلم لا ينتهي إلى العدل ، والسبعيّة الحيوانيّة تنفي الإنسانية ، فكيف تكون طريقا إليها ؟ !
وكذب من قال : إنّ الظلم للبشر طريق لإسعاد البشر ، فليس إسعاد البشر غاية لهذا القائل ، وإنّما غايته هي أهواؤه النفسية ونزعاته الودّيّة . فقد جعل دعوته شركا يبرّر له الوصول إلى قمّة الحكم ، وإلى استعمال طاقات النفوس ، فهو خدّاع تذرف عيناه دموع التماسيح .
ومن مشى في الطريق الحقّ فقد قرع باب الحقّ ، وحظي بالدخول إلى الحقّ بخطوته الأولى .
ولمّا كان إسلام محمّد صلّى اللّه عليه وآله هو الدين الحقّ وهو السبيل إلى اللّه فلا يسنح بوسيلة غير مبرّرة للدعوة إليه . وإنّ الوسيلة الصالحة لدى محمّد صلّى اللّه عليه وآله هي الحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن .