تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
أيضا ، ولا يفترض في كلّ منذر أن يكون مبشّرا ، إن أمكنه الوصول إلى غايته المرموقة دون أن يقترن إنذاره بالتبشير . إنّ الإنذار رحمة من البارئ المبشّر بعباده ، والتبشير رحمة أخرى وفضل منه تعالى على خلقه ، فإنّ الغاية من الإنذار هي إسعاد البشر أفرادا ومجتمعا ؛ ليعيش الأفراد سعداء في مجتمعات سعيدة ، وسعادة المجتمع إنّما تكون بسعادة أفراده ، والإنذار يدعو إلى كلتا السعادتين ، وإذا عارضت سعادة الفرد سعادة المجتمع فلا بدّ من التضحية بسعادة الفرد في سبيل سعادة المجتمع ، كما لا بدّ من تفضيل سعادة الأفراد على سعادة فرد واحد ، فالإنذار يكفي لتحقيق السعادتين . والغاية من بعث الرسل تتحقّق بالإنذار وحده ، فإنّه الذي يدعو إلى توقّي الذنوب وإلى ترك الجرائم ، والابتعاد عن الآثام ، وإذا تحقّق ذلك تحقّقت الغاية من البعث ، حتّى ولو لم يصاحبه التبشير . وإنّ سلوك العقلاء وسيرتهم في إصلاحاتهم الاجتماعية جارية على ذلك ، فتجد أنّ الدول والحكومات من « ديموقراطيّة » وديكتاتورية ، ومن قوميّة ولا قوميّة يلقون القبض على من ارتكب جريمة ، ولكنّهم لا يعطون الأجر لمن تركها ، وإلّا كان الفرض على كلّ حكومة أن تبذل في كلّ يوم المليارات . كما أنّ العقل لا يقضي باستحقاق الأبرياء للأجر والثواب ، وذلك تشريع عامّ ، وإذا فرض في بعض الظروف لزوم إعطاء أجر إلى بريء كادّ في خدمته فذاك أمر خاصّ شخصيّ لا عموم فيه . ومن الواضح أنّ إصلاح مجتمع وإسعاده يتحقّقان بتطهيره من الآثمين ، وذلك يحصل بالإنذار وحده وبتنفيذه ، وهذا هو الشأن في التشريعات الدوليّة والحكوميّة . فتبيّن : أنّ الإنذار من قبل اللّه تعالى لا يجب أن يصاحب التبشير ، وإذا علمنا أنّ البارئ - عزّ اسمه - مستغن عن عبادة عباده وعن إطاعتهم له فإذا كان جميع الخلق مطيعين لأوامره ونواهيه ممتثلين لها لا تنفعه إطاعتهم ، ولا يزيده امتثالهم لها شيئا . إنّ اللّه تعالى هو الغنيّ ، وإنّه لأعظم شأنا من أن ينتفع بطاعة عباده .
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 205 | السيد رضا الصدر