لصيدها . وإذا رميت بلقمة خبز أو عظم إلى كلب فهو يذبّ عنك ولا يعضّ رجلك .
ومن البديهيّ أنّ أكبر المحسنين على البشر هو ربّ البشر ، ذلك الذي أخرجه من لا شيء إلى الوجود ، وجعله بشرا سويّا ، وفضّله على جميع الأحياء البريّة والبحريّة ، فهو تعالى أكرم الكرماء ، وأعظم المنعمين ، ونعماؤه أشرف النعم ، وآلاؤه أفضل الآلاء وأغلاها .
وهل هناك نعمة تفضل نعمة الوجود ، أو نعمة الحياة أو نعمة العقل ، أو نعمة الفهم ، أو نعمة العلم ؟ !
وهو تعالى أكثر المحسنين إحسانا ، وأوفر المنعمين إنعاما ، وإنّ نعمه لا تحصى .
لقد أحسن إلى الإنسان قبل مجيئه إلى هذا العالم ، وبعد مجيئه إليه ، وبعد ذهابه عنه .
وقد أحسن إليه وهو جنين ، وأحسن إليه وهو رضيع ، وأحسن إليه وهو طفل ، وأحسن إليه وهو غلام ، وأحسن إليه وهو شابّ ، وأحسن إليه وهو كهل ، وأحسن إليه وهو شيخ . أحسن إليه بالحياة ، وأحسن إليه بما بعد الموت . أحسن إليه بالصحّة ، وأحسن إليه بالمرض . أحسن إليه بالداء ، وأحسن إليه بالعلاج .
فالعقل والضمير الإنسانيّ يفرضان على البشر شكره تعالى ، وأدنى الشكر تنفيذ طلب المحسن ، سيّما الطلب الذي ينتفع منه الشاكر ، وقد نجم عن رحمة به . وإنّ الكريم مبجّل عند العقل وإن لم يكن منعما . والعقل يرى إكرامه فرضا ، والضمير الإنسانيّ يحكم بذلك أيضا . وتنفيذ أمر الكريم أقلّ مراتب الإكرام له ، سيّما الأمر الذي نجم عن كرمه للمكرم .
وقد تبيّن بذلك : أنّ الأجر الذي جعله اللّه للبشر إزاء إطاعة أوامره هو فضل منه تعالى على عباده ، ورحمة منه لهم . إنّه أرحم الراحمين ، وأكرم الأكرمين . وإنّ إرسال الرسل مبشّرين بعد ما كانوا منذرين تفضّل منه تعالى بعد تفضّل .
وإذا ساعد التبشير الإنذار فإنّ الإنذار يصير أنفذ وأمكن في النفوس ، وأقرب إلى القبول . كما أنّ هذا الأجر الذي بشّر به هو بمثابة جابر للحرمان ، الحاصل من الخضوع للإنذار ، وذلك من رحمته .
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 207
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص٢٠٧