تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وإذا كان جميع أفراد البشر متمرّدين عليه تعالى وعاصين لأوامره ونواهيه فلا يضرّه ذلك شيئا ، ولا ينقصه ، فهو تعالى الصمد . وإذن تكون النتيجة : هي أنّه لا يستحقّ أحد أجرا على طاعته لربّه ، ولكنّ العاصي يستحقّ العقوبة على مخالفته لربّه . إنّ العاصي المقترف للذنوب ظالم لنفسه ، وظالم لغيره ، وظالم للمجتمع الذي يعيش فيه . والعاصي يحول بين المنذر وبين وصوله إلى هدفه الأسمى ، فهو كحجر عثرة في سبيل المصلحين ، يؤخّر السعادة البشريّة خطوة إلى الوراء . فالإنذار لا يحتاج إلى التبشير . ثمّ إنّ أوامره تعالى ونواهيه إنّما هي توجيهات إلى منافع العباد وسعادتهم العائدة إليهم أنفسهم ، وينتفع بها المطيع نفسه ، ويتضرّر العاصي نفسه . إنّها نظير إرشادات الأطبّاء وتوجيهاتهم للمرضى ، فإذا نفّذ المريض ما أرشده إليه الطبيب فهو المنتفع دون الطبيب ، وإذا رفض العمل به فهو الذي تضرّر دون الطبيب ، وأجر الطبيب إنّما هو إزاء إرشاده . والرحمن الرحيم لا يطلب أجرا على إرشاده . فقد تبلور : أنّ أوامر اللّه ونواهيه انبثقت من رحمته الواسعة ، تلك الرحمة التي لا نهاية لها ولا حدّ . وينبغي أن نذكر هنا : أنّ العقل يفرض طاعة اللّه على كلّ إنسان عاقل ، فإنّ شكر المنعم من فرائض العقل ، فهو الحاكم بأنّ تقدير إحسان المحسن واجب على كلّ فرد . وإنّ الضمير الإنساني يؤكّد هذا الذي يفرضه العقل ، فإنّ الأطفال والمجانين الذين يحتفظون بشيء من الفهم يقدّرون المعروف ، فإذا أسديت معروفا إلى طفل صغير فإنّه يشكرك ويقدّر إحسانك . وقد قيل : « إنّ الإنسان عبد الإحسان » . « 1 » والذين لا يقدّرون المعروف ولا يشكرون الفضل يخرجون عن الإنسانية ، فهم ليسوا ببشر وإن كانوا على صورة بشر . وإنّ الحيوانات التي لها شيء من الذّكاء ، تقدّر المعروف بحسب طبائعها . كما أنّ الصيادين يجعلون إسداء المعروف إلى الفيلة وسيلة
هامش
( 1 ) . إشارة إلى قول أحد الشعراء : « الناس للناس من بدو ومن حضر . . . بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم » .