نظرة إلى الآية الكريمة
وفي هذه الآية توجيهات وإرشادات :
منها : الدعوة إلى إلغاء العصبيّة ، أيّة عصبيّة كانت ، كما يدلّ عليها قوله تعالى :
يَسْتَمِعُونَ
: إنّ المتعصّب لا يقدر على الإصغاء إلى كلام من يخالف مذهبه ، ولا يستطيع الاستماع لما يفسد معتقده .
ومنها : الدّعوة إلى الفهم ، فإنّ المسلم يجب أن يكون فهيما ، إذ الفهم يرافق الاستماع ، ولا ينفكّ عنه . وإنّ الانقياد الأعمى من دون تفهّم وتبيّن يخالف دعوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، ومن هذا الانقياد الأعمى : حسن الظنّ بالقائل ، إذ ينشأ عنه حسن الظنّ بالقول ، وما أحسن قولهم : « انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال » . ولعلّ ذكر القول من دون إضافة إلى القائل في الآية الكريمة يشير إلى ذلك ، واللّه العالم .
ومن ذلك الانقياد الأعمى : الحبّ بمبدإ ، حبّ نشأ من نزعة نفسية شهوية أو غضبيّة .
ومنها : الحريّة في الرأي .
إنّ استماع القول واتّباع أحسنه لا يتحقّق إلّا بعد التفكير والاختيار ، إذ الجبر على الاتّباع لا يعدّ اتّباعا ، فإنّه متقوّم بالاختيار ، والاختيار لا يكون إلا في صورة الحرّية في الرأي . فالاتّباع لا يكون إلّا بعد تحقّق الحريّة في اتّخاذ رأي أو مذهب . وقد صدع القرآن بذلك بقوله .
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
« 1 » فلا جبر في مذهب القرآن ، وأنّ الجبر خارج عن مذهبه . كما أنّ سدّ باب الاجتهاد وحصر المذاهب في عدد خاص لا يتّفق مع المبادئ والتوجيهات القرآنية .
ومنها : إيكال الأمر إلى العقل .
إنّ الواجب على كلّ فرد أن يجعل الحاكم الوحيد على نفسه هو عقله ، فإنّ الناقد
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) الآية 256 .