قال اللّه تعالى :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . . .
.
ومن الواجب في ختام هذا البحث : أن نؤكّد على أمر هامّ قد يخفى على الكثيرين ، وهو : أنّ الإنذار يمتاز عن التبشير بأنّ الإنذار بلا تبشير له أثره ومكانه ، ولكنّ التبشير من دون الإنذار ليس بمفيد أبدا ، فالمبشّر يجب أن يكون منذرا ، ولا يجب على المنذر أن يكون مبشّرا .
إنّ التبشير من دون الإنذار تأييد للظلم ، وتشجيع للفساد ، وإيقاع للشرّ ، وإبقاء لاضطهاد المظلوم ، وتخدير لحركة المحروم . إنّ الظالم الطاغي لا يرتدع عن ظلمه بمجرّد التبشير ، إذ لا يفضّل النسيئة على النقد .
وقد تبيّن بذلك : أنّ دعاة المسيحيّة الذين وسموا صدورهم بأوسمة ظاهرة التبشير من دون أن يتوّجوا رؤوسهم بتيجان ظاهرة الإنذار قد أخطئوا في الدعوة ، فهم ليسوا بخدّام الإنسانيّة إن لم نقل : إنّهم خدمة الظالمين ، ودعاة الاستعمار والمستعمرين .
وإنّ هذه لوصمة كبرى على المسيحيّة وقد تضرّر منها الإسلام ، فإنّ كلمة « الدين » في الغرب يقصد منها المسيحيّة ، وإذا ترجمت إلى إحدى لغات المسلمين فإنّه يفهم منها الإسلام . فالقارئ يفهم غير ما قصده الكاتب ، كما أنّ القارئ الغربيّ يقيس بقيّة الأديان على الدين السائد في الغرب ، وبذلك تضرّر الإسلام .
ثمّ نلفت النظر إلى أنّ القرآن صدع وجاهر في مواضع شتّى : بأنّ الأجر الّذي جعله اللّه إزاء طاعته وسمّي بلسان الشرع بالثواب إنّما هو أجر أخروي ، كما يشير إليه قوله تعالى :
لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . . .
.
وليس بأجر دنيويّ ، ولو كان الأمر كذلك لما كانت طاعة العباد لربّهم عبادة ، بل كانت تجارة لأنفسهم .
وذلك لا ينافي كون الأحكام القرآنية مصلحة لحياة البشر ومفيدة لدنياهم ، فإنّ مصلحة تشريع الأحكام غير الثواب المترتّب على إطاعتها .