المميّز بين الصحيح والفاسد ، وبين الحسن والأحسن لكلّ إنسان هو عقله . والسعيد من يسوّد عقله على أفكاره وآرائه ونزعاته .
ومنها : وثوق المبشّر بما أتى به وبدعوته ، فإنّ من لا يثق بصحّة دعوته لا يجعل المدعوّ لقبول دعوته في الخيار ، ولا يرجعه إلى الفكر ، بل يسدّ عليه باب الفكر ، فإمّا بإعطاء رغباته بالوعد ، أو يهدّده بالوعيد .
ومنها : وثوقه بمطابقة دعوته للعقل .
إنّ إرشاد المدعوّ إلى التفكير يدلّ على أنّ المبشّر واثق بمطابقة دعوته للعقل البشري ، وأنّه ليس في هذه الدعوة ما يخالف العقل ، فإنّ مضمون الآية عامّ شامل لجميع البشر ، ويشهد بذلك قوله تعالى :
أُولِي الْأَلْبابِ
.
ومنها : الرحمة بالبشر ، بشهادة نسبة العباد إلى ذاته المقدّسة ، فإنّ كلّ مولى يحبّ عبده الذي ينسبه إلى نفسه ويترحّم عليه .
ومنها : بيان المعيار للهداية والضلال ، فإنّ الهداية ليست إلّا العمل بمقتضى العقل ، بشهادة قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ
وإنّ الضلال هو مخالفة العقل ، واتّباع الأهواء النفسيّة ، وجعل العقل رهينة تلك الأهواء .
وممّا يجدر بالذكر : أنّ مضمون الآية الكريمة إذا تحقّق في مجتمع يصل به إلى منتهى الرقيّ البشريّ ممّا يمكن أن يصل إليه البشر ، ويتحقّق لهم أفضل العيش ، ويزول عنهم الافتقار إلى الحكم والحاكم ، بل الشعب يصير عندئذ حاكما على نفسه ، ولا يفتقر إلى سلطة تنفيذيّة ، ويزول الاحتياج إلى السلطة القضائية ، إذ في مجتمع كهذا لا يظلم أحد أحدا ، وما أرغد العيش في مثل هذا المجتمع ! إنّهم هم الذين سعدوا بعناية ربّانية وهداية إلهيّة ، كما وصفهم اللّه بقوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
وإنّ المدينة الفاضلة هي هذه دون غيرها .
الإنذار والتبشير
إنّ التبشير والإنذار توأمان يرتضعان من لبن واحد ، والمنذر من قبل اللّه هو مبشّر