تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
العاجل ، ولكنّ عددهم قليل في جميع الأقوام والشعوب ، إذ قلّ من يخضع لدعوة المنذر الصالح
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
. « 1 » إنّ قبول الإنذار يتطلّب سلامة العقل ، وطيب النفس ، وإصابة الرأي ، والخلوّ من العصبية ، حتّى يستطيع الرجل مكافحة الهوى ، والابتعاد عن الباطل ، والاقتراب من الحقّ . ومن البديهيّ أنّ معاداة المنذرين ونصب العداوة لهم أمر طبيعيّ في الجملة ، فإنّها تنبثق عن النزعات النفسية ، ممّا يضطرّ المنذر عندئذ إلى الجهاد دفاعا عن دعوته ، وعمّن لبّى دعوته ، ولذا كانت حروب محمّد صلّى اللّه عليه وآله كلّها جهادا وحروبا دفاعيّة ، فلم يشنّ الهجوم على قوم أبدا ، إلّا إذا سمع باستعدادهم للهجوم عليه فيسبقهم به . وكانت حياة محمّد صلّى اللّه عليه وآله حياة جهاد وتضحية مليئة بالشدائد ، ومحفوفة بالمكاره . إنّه أقصى الأقربين ، وقرّب الأبعدين ، ولاقى في سبيل إنذاره ما لم يلاقه نبيّ ولا رسول . قال جرجي زيدان المؤرّخ - المسيحيّ - الكبير : « رأيت محمّدا لا يفكّر في شيء سوى اللّه ، وقد كان مليئا بالإخلاص لربّه » . « 2 » ولا يعدّ خافيا على أحد أنّه يفترض في المنذر أن لا يكون فيه عيب روحي أو جسمي تنفر منه الطباع وتشمئزّ منه النفوس ، فإنّ ذلك مانع من تقرّب الناس إليه ، فيضرّ بدعوته . وكان محمّد صلّى اللّه عليه وآله بريئا من جميع العيوب ، منزّها عن النواقص في جسمه وروحه ، وفوق ذلك أنّه كان موصوفا بألوان من الجمال والبهاء في ظاهره وباطنه ، وفي خلقه وخلقه ، وفي أفعاله وأقواله ، وحركاته وسكناته ، ونظراته وإشارته . فكان كلّه جمالا ، وكلّه جميلا ، قد أقرّ أعداؤه بذلك ، فضلا عن أوليائه .
هامش
( 1 ) . سبأ ( 34 ) الآية 13 . ( 2 ) . راجع تأريخ التمدّن الإسلامي لجرجي زيدان ، في حياة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسيرة المصطفى ، الفصل الثاني .
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 196 | السيد رضا الصدر