ويشهد بذلك : مفاوضو كبار قريش وهم أعداؤه حين حضروا في دار الندوة بمكّة عند تامرهم على قتله ، حتّى انتهى الأمر إلى هجرته ، فقال بعضهم لبعض : إنّ هذا الرّجل قد كان أمره ما قد رأيتم ، فإنّا واللّه ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتّبعه من غيرنا ، فجمعوا فيه رأيا .
فبدءوا بالتشاور ، وقال قائل منهم : احبسوه في الحديد ، وأغلقوا عليه بابا ، ثمّ تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله ، زهيرا والنابغة ، ومن مضى منهم من هذا الموت حتّى يصيبه ما أصابهم .
فقال شيخ : لا واللّه ما هذا لكم برأي ، واللّه لئن حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ، ثمّ يكاثروكم به حتّى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا لكم برأي ، فانظروا في غيره ، فتشاوروا عليه ، ثمّ قال قائل منهم :
نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، فإذا اخرج عنّا فو اللّه ما نبالي أين ذهب ؟ ولا حيث وقع ، إذا غاب عنّا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا والفتنا كما كانت .
فقال الشيخ : لا واللّه ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ؟ ! واللّه لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحلّ على حيّ من العرب ، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتّى يتابعوه عليه ثمّ يسير به إليكم ، حتّى يطأكم في بلادكم بهم ، فيأخذ أمركم من أيديكم ، ثمّ يفعل بكم ما أراد ، دبّروا فيه رأيا غير هذا .
فقال أبو جهل بن هشام : أرى أن نأخذ من كلّ قبيلة شابّا فتى جليدا نسيبا وسيطا فينا ، ثمّ نعطي كلّ فتى منهم سيفا صارما ، ثمّ يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد ، فيقتلوه فنستريح منه ، فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعا ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ، فرضوا منّا بالعقل ( الدية ) فعقلناه لهم .
فقال الشيخ : القول ما قال الرجل ، هذا الرأي لا رأي غيره . فتفرّق القوم على ذلك
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 197
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص١٩٧