تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
الإنذار ، حتّى ليخيّل إليه حبّ النفس أنّه منذر وداع إلى الحقّ . إنّ الجهاد والتضحية أكبر عون لنجاح المنذر في إنذاره ، ولانتشار دعوته . وإنّه خير شاهد على صدقه ، وعلى إخلاصه في القيام بواجبه . إنّ الجهاد من أفضل العبادات ، والمجاهدون هم شرفاء عباد اللّه ، وأقربهم لديه تعالى منزلة ، يضحّون في سبيله بأعزّ ما لديهم من حبيب أو قريب ، ومن نفس أو مال ، ولا يبالون بما يرونه من المكروه ، فإنّ الإنذار حفّ بالمكاره ، وإنّ المنذر مصحوب بالشدائد . ولمّا هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى المدينة ، وبدأ ببناء مسجده وكان صحابته يعملون فيه ، ويتراوحون ويأتون باللبنات كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله يعمل كأحدهم ، حتّى أنشد بعضهم :
لئن قعدنا والنبيّ يعمل * فذاك منّا العمل المضلّل
وترنّم به الآخرون ، فصار أنشودة العمل والكدّ ، وإذا بعثمان يحمل اللبنة ، وهو يحايد عنها كيلا يتوسّخ ثوبه الأبيض ، فرآه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وقال :
لا يستوي من يعمر المساجدا * يدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن التراب حائدا « 1 » وهل تستطيع نفس تتأبّى توسّخ ثوب بإصابة التراب له أن تتحمّل مكاره الجهاد ومشاقّه ؟ ! إنّ الإنذار نفسه جهاد وتضحية ، والسعي فيه جهاد وتضحية ، إذ المنذر لا يرى سوى ما يكره ، فإنّ مناوئيه أكثر عدّة وعددا من الخاضعين لدعوته ، المنفّذين لتوجيهاته . وإنّ المنذر والملبّين لدعوته لا يرون الحاضر وحده ، إنّهم ينظرون إلى المستقبل كما ينظرون إلى الحاضر ، ويفضّلون الكثير الباقي في الآجل على القليل الفاني في
هامش
( 1 ) . مناقب آل أبي طالب ، ج 1 ، ص 151 ؛ السيرة النبوية ، ج 1 ، ص 112 - 115 ؛ البحار ، ج 19 ، ص 124 ، ح 9 .