الدعوة ، وأنّ العراقيل التي تجعلها المعارضة في سبيله لا تخيّب أمله ، ولا تغيّر طريقه ، ولا تزيل ثقته .
وإذا كان المنذر ممّن يتطرّق إليه اليأس وتتسلّط عليه الخيبة فلا يرجى له النجاح في كدّه ، وإن قوبل بالصدود ، وواجه العناد والعنف فإنّه سوف يتنكّب الطريق ، وينسحب من ميدان الإنذار .
إنّ المنذر يجعل نفسه أمام أعداء يسعون إلى استئصال شأفته ، ويجهدون في كسر عزمه بكلّ ما لديهم من القوّة والثراء والمكنة ، بل نفس اليأس والخيبة أكبر صدّ عن طريقه ، فإنّه مانع روحيّ داخلي .
وكان من ميزات محمّد صلّى اللّه عليه وآله الثقة بالدّعوة ، وكان يرى النجاح في جميع أهل دعوته ، وكلّما كان يقابل بالصدود ، ويواجه بالخصومة والعداء كانت ثقته لا تنقص ، بل يتعاظم سعيه وكدّه . وممّا يكشف عن ثقته بنجاحه نصبه الخليفة لنفسه يوم إنذار عشيرته الأقربين ، والإسلام آنذاك كان لا يزال غريبا ضعيفا .
ومنها : الصبر
والمنذر يجب أن يكون صبورا في الشدائد ، متحملا للمكاره والمتاعب التي تواجهه في طريق الإنذار ، فلا يفقد السيطرة على نفسه عند لقائها ، ولا يرجع عن طريقه عند مواجهتها ، وإن لم يكن المنذر صبورا في الملمّات لا يحالفه التوفيق ، ولا يفوز بالنجاح .
إنّه في كلّ خطوة يواجه بعقبة أو عقبات ، سواء كانت عقبات طبيعيّة - وهي قليلة - أو عقبات مصطنعة ، وما أكثرها ! تجعلها في طريقه أيد غاشمة خائنة .
وكان محمّد صلّى اللّه عليه وآله أعظم المنذرين صبرا في الشدّة والبلاء ، وأشدّهم تحمّلا عند عروض المكاره ، لقد صبر في الشدائد ، وكابد أعباء ثقالا ، وتحمّل آلاما ، لو صبّت على الأيّام صرن لياليا ، ولكنّه استقبل كلّ ذلك بوجه باسم بلا كلل ولا ملل . وكانت له عزمة كالجبل الراسخ ، لا تحرّكه العواصف ، وكأنّ تراكم المصائب كان يقوّي عزمه ،