تمييز الأرباح من الأضرار ، وهو مصباح في الظلام يرشد إلى المعالي ويهدي إلى الفوز .
والمنذر لقوم لا بدّ أن يكون أكبرهم عقلا وأكملهم إنسانية ، فإن فضل الإنسان على الحيوان بعقله لا بشكله وصورته ، إذ ليس للحيوان صورة ، بل له صور وأشكال .
وإنّ من الواجب على المنذر التخطيط لإنذاره ، وسلوك أقرب الطرق إلى غايته المرموقة ، وعليه أن يتوسّل بأنفذ الوسائل وأجداها للوصول إلى أهدافه ، وإلّا فإنّ دعوته سوف تردّ وأمله سوف يخيب وإنّ التخطيط الصحيح يتطلّب عقلا كبيرا ، ومعرفة أقرب الطرق تتطلّب عقلا كبيرا ، والتوسّل بأنفذ الوسائل يتطلّب أيضا عقلا كبيرا .
ومن البديهيّ أنّ المقصودين بالإنذار مختلفون بحسب الدراية والفهم ، ومتفاوتون بحسب الكمال والنقص . وأنّ من المناسب لكلّ طبقة لونا من الإنذار ، ونوعا من الدعوة ، ومعرفة ذلك تتطلّب عقلا كبيرا وحكمة عظيمة ودراية واسعة ، وأنّ المنذر لربّما ينخدع لولا العقل الكبير ، ويغبن في صفقته لولا حكمته ، والمخدوع لا ينجح ، والمغبون لا يفوز .
وخصوم الإنذار يستقبلون المنذر بمختلف الأسلحة ، ويجعلون في طريقه أنواعا من العقبات . فقد يستقبلونه بسلاح الودّ والمحبّة ، ويقدّمون إليه الكثير من متع العيش ولذائذه ، ليخرجوا به عن طريقه ، ويصدّوه عن سبيله ، وكفّ المنذر نفسه عن الوقوع في هذا الشرك يتطلّب نفسا عظيمة وعقلا كبيرا .
ولقد عرضت قريش على محمّد صلّى اللّه عليه وآله أن يقدّموا إليه أجمل فتياتهم ، وأن يعطيه كلّ واحد منهم نصف ثروته ، وهم أثرياء كبار لتجارتهم في رحلة الشتاء والصيف ، وأن يتوّجوه ملكا على أنفسهم ، كلّ ذلك في مقابل أن يسحب إنذاره ، ويترك دعوته ، فلم يقبل ، وقال مخاطبا عمّه أبا طالب : « واللّه لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ولكن يعطوني
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 190
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص١٩٠