تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
نثرا ، وإنّما أدّاها على نسق مقصور عليه في أسلوب خاصّ به لم يسبق إليه ، ولم يلحق به . ولم يقيّد القرآن بالقيود التي عرفها الكتّاب والمؤلّفون ، ومع ذلك هو مطلوب في نظمه مرغوب في أسلوبه . ولو كانت الكتب الرئيسية في العلم والأدب والفلسفة على هذا المنوال ، بحيث لم تبوّب بالأبواب ولم تجعل لها فصول لضجّ قرّاؤها وأعرضوا عنها ، ولرأوا ذلك عيبا فيها . ولكنّ هذا الّذي يرونه عيبا فيها نراه قد زاد القرآن حسنا ورونقا . وللقرآن آيات مفصّلة لها طابعها الخاصّ في الاتّصال والانفصال ، وفي الطول والقصر ، وفيما يظهر من الاختلاف والائتلاف ، قد فصّلت آياته قصارا ملتئمة الفواصل ، تقرؤها كأنّك تنحدر من عال . ومنها : أنّه سهل ممتنع بسهولة ألفاظه وعذوبة تعبيراته ، وبعدها عن الغرابة ، وقد أتى بالإيجاز عند اقتضاء المقام ، وما أكثر ذلك في القرآن . كما أنّه أطنب وفصّل عند اقتضاء المقام ، حتّى يزعم القارئ أنّ إتيان مثله يسير عليه مع أنّه ممتنع ومستحيل : ومنها : قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
« 1 » وقد فضّلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى ، وهو قولهم : « القتل أنفى للقتل . . . » في كثير من الميزات والخصائص . وإنّ من له أدنى معرفة بالأدب يعرف مدى فضل التعبير القرآنيّ على هذا الكلام . إنّ جمال التعبير القرآنيّ وبراعته وعذوبة ألفاظه لا يقاس به كلام . أين الثرى من الثريّا ؟ وإنّ التعبير القرآني يفيد المعنى بشكل واضح بحيث يفهمه كلّ شخص ، وذلك القول فاقد لهذه الميزة . وإنّ التعبير القرآنيّ يفيد نفس المعنى المقصود وهو القصاص ، وذلك القول لا يفيد ذلك . وإنّ ما أتى به القرآن أوجز وأخصر ، إنّه مشتمل على كلمتين : القصاص حياة ، وهما أقلّ ما يصاغ منه الكلام ، وإنّ حروفه لا تزيد على عشرة أحرف .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) الآية 179 .