من معانيه . وأين العرب في عصر الجاهليّة من فهم المعاني الراقية والوصول إلى المثل والقيم التي جاء بها القرآن ؟
إنّ القرآن لا يخصّ العرب بالدعوة ، بل يدعو جميع البشر وكافّة الأمم ، تلك التي ليس بينها وبين العرب أيّة صلة بحسب اللسان . إنّهم إذا تعلّموا لغة القرآن استطاعوا الوصول إلى جمال القرآن وروعته في معانيه أكثر من ألفاظه .
والعرب تفضّل على غيرها من الأمم في لمسها جمال ألفاظ القرآن وروعتها . ومن البديهي أنّ أهل كلّ لغة أعرف من غيرهم بلغتهم ، وأقرب إلى الوصول إلى الروائع الموجودة في جياد الشعر والنثر في لغتهم .
ولكنّ العالم الباحث قد يلمس روائع من المعاني القرآنية ما لم يلمسه غيره ؛ ولذلك ترى خضوع علماء الأمم أمام القرآن وعظمته ، وإذعانهم بعجزهم عن الإتيان بمثله ،
إنّ الأمم غير العربيّة قد تعلّمت القرآن ، وقرأته في غضون قرون متطاولة وأحقاب متعاقبة ، فدانت له وآمنت به ، واستحبّت قراءته ، والاستماع إليه على طول الدهر .
وإنّ العلماء من جميع الأمم - عربيّة وغير عربيّة - خضعوا في مقابل علوم القرآن ومعانيه الراقية والمثل التي أتى بها ، وهي كثيرة يحتوي عليها حجمه هذا الصغير . لقد أتى القرآن بعلوم كثيرة ومعارف جمّة وفلسفة وحكمة ، ممّا كان البشر يعرفه وممّا لا يعرفه . وكتبت للقرآن تفاسير بلغات شتّى على مدى القرون والأعصار زاد عددها على الآلاف .
ولكن حتّى الآن لم نعثر على تفسير كامل يحتوي على جميع ما في القرآن من العلوم والفنون ، وكلّ مفسّر تصدّى في تفسيره لبيان قسم من علوم القرآن ، حتّى اللجان التي تصدّت لقرع هذا الباب فإنّ الكلّ لم يستطيعوا الوفاء بحقّه . وخير شاهد على ذلك : أنّ من تصدّى بعدهم لتفسيره قد وصل إلى علوم ومعان لم يصل إليها من سبقه ، ولا يزال كلّ لا حق منهم يضيف على ما جاء به السابق شيئا جديدا ، وهو معترف بأنّه لم يؤدّ حقّه ، وأنّ الباب مفتوح لمن تأخّر عنه ، ليضيف إليه أيضا ، وكم ترك الأوّل للآخر ؟
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 184
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص١٨٤