تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
ذلك حال التفسير في قسم من علوم القرآن فكيف تكون الحال إذن في جميع العلوم والمعارف التي يحتويها ؟ إنّ القرآن يحتوي على علوم لم يعرفها أهل عصره ، وعندما وصل إليها المتأخّرون عرفوها : كعلم الاقتصاد ، وكعلم الاجتماع ، وغيرهما من العلوم . ومنها : الحجج التي أقامها لإثبات أشرف المعارف وأهمّ المبادئ وهي حجج أقيمت على أحسن نهج وأقرب طريق في الاحتجاج والتعليم ؛ بحيث يلفت الناشئ إلى نور بصيرته ، ويمثل له عواطفه وشعوره ، ويعيده إلى الفطرة السليمة والطريقة المستقيمة . وميزة الاحتجاجات القرآنية : أنّها تجري على حسب القوانين المنطقيّة في تنظيم قياساته ، وعلى أسس معقولة ، فتراه يأتي بموادّ برهانيّة بصورة خطابيّة في أروع لفظ وأجمل تعبير ، بحيث يعجز الفلاسفة والمناطقة عن إتيان مثلها ، فإنّهم لا يستطيعون استخدام الموادّ البرهانيّة إلّا في مصطلحات خاصّة . لقد احتجّ القرآن بوجود اللّه تعالى وبعلمه وقدرته ووحدته ، كما احتجّ بالمعاد الجسماني ، وعلى أنّ القرآن وحي إلهي ، وعلى صدق الرسول في دعوته ، وغير ذلك ، فلا يمكن أن تجد في شيء من تلك الحجج ضعفا أو وهنا أو شائبة اختلاف أو شائبة تناقض ، ولم يستطع أحد من أعدائه - من الفلاسفة وغيرهم - دعوى أيّ خلل في الحجج القرآنية . وإذا عرفنا أنّ كلّ ذلك كان في عصر جاهلي وعهد مظلم ، ونشأ من جاء به بين أناس ووحوش وثنيّين في بلاد ماحلة التعليم وقاحلة الفضيلة والمعارف فإنّ ذلك يزيدنا خضوعا للقرآن ، وإعجابا به ، وتحيّرا في عظمته ، وإقرارا بإعجازه ، ويقينا بأنّه كلام ربّ البشر . وممّا يجدر التنبيه إليه هنا : أنّ للقرآن ميزة على التوراة والإنجيل بأنّه كلّه كلام اللّه عزّ وجلّ ، نزل به جبرائيل على رسوله الكريم ، لا تجد فيه كلام محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، ولا كلام غيره .