لِبَعْضٍ ظَهِيراً
. « 1 » و « 2 »
ثمّ إنّك تجد في هذه الآية أنباء قصارا أشدّ القصر ، موجزة أروع الإيجاز ، قاطعة لا معقّب لها ، بني أكثرها لما لم يسمّ فاعله ، وإنّ كلّا منها لفي غاية الجمال والبراعة ؛ لفخامة لفظها ، وحسن نظمها ، وتوجيه الأمر إلى الأرض والسماء وهما من الجماد ، فتكون أدلّ على قدرة لا نهاية لها ، وعظمة من يأمر لا حدّ لها ، والطوفان كان بأمر منه ، فهي في غاية الإعجاز والإيجاز . وإنّ اختلاف الألفاظ في هذه الآية وحسن البيان في تصوير الحال رائعة من الروائع الأدبيّة .
وروي : أنّ كفّار قريش قصدوا أن يتعاطوا معارضة القرآن ! فعكفوا على لباب البرّ ، ولحوم الضأن ، وسلاف الخمر أربعين يوما لتصفو أذهانهم ، فلما أخذوا في ما أرادوا سمعوا هذه الكريمة المباركة ، فقال بعضهم لبعض : هذا كلام لا يشبهه شيء من الكلام ، ولا يشبه كلام المخلوقين ! وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا . . .
وإنّ الناظر إلى هذه الآية يجد فيها فعلي أمر :
وجّه أحدهما إلى الأرض لتبلع ماءها ، ولم تؤمر الأرض بالشرب ، بل أمرت بالبلع حتّى يغيض الماء فورا .
ووجّه ثاني الأمرين إلى السماء بأن تكفّ عن الصبّ بما يعني أنّ ماء السماء لم ينفذ بسبب كثرة نزوله ، وإذا الماء يغيض ، وإذا الأمر كلّه قد قضي ، وإذا السفينة قد استقرّت على الجودي ، وإذا نداء ببعد للقوم الظالمين وإخبار عن هلاكهم . ومن البديهيّ أنّ أهل اللسان يدركون من لطائف لغتهم ما لا يدركه غيرهم ممّن تعلّم تلك اللغة :
ومنها : نظم القرآن وأسلوبه في أداء المعاني ، فلم يؤدّ مقاصده شعرا ، ولم يؤدّها
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 88 .
( 2 ) . الخرائج والجرائح للراوندي ، ص 242 ؛ الاحتجاج للطبرسي ؛ ج 2 ، ص 377 ؛ عنهما البحار ، ج 17 ، ص 213 .