أَنْفُسَهُمْ . . .
. « 1 »
ومنها : براعة ألفاظه ، وعذوبة كلماته ، والبحث عن ذلك يطول ويكثر وقصارى ما يقال هنا : إنّ القرآن كلام لم يسمع مثله قبل أن يتلوه النبيّ إنّه ليس بشعر ؛ إذ لم يجر في الأوزان والقوافي والخيال على ما جرى عليه الشعر ، ثمّ هو لم يشارك الشعر الّذي ألّفه العرب في قليل أو كثير من موضوعاته ومعانيه .
إنّه لا يصف الأطلال والربوع ، ولا يصف لواعج الفراق والحنين إلى الأحبّة ، ولا يصف الإبل في أسفاها ، ولا يغرق في ما كان الشعراء يغرقون فيه من تشبيهات للصحراء والبادية والرياض والأشجار والقنص والصيد والسهم والقوس والسيف . لا يعرض لشيء من هذا كلّه . وليس فيه غزل ، ولا فخر ولا مدح ولا ذمّ ، ولا هجاء ولا رثاء ، ولا يصف الحرب وما يكون فيها من الكرّ والفرّ .
ثمّ إنّ القرآن لا يسجع سجع الكهان في ألفاظه ، ولا يلقي ما يلقونه من المعاني ، كما لا يشبّه خطب الخطباء ، ولا كتابات الكتّاب ، ولا قصائد الشعراء ، بل القرآن أشبه شيء بالكلام بين الناس . إنّه يتكلّم معهم ويحدّثهم بما ينفعهم ويضرّهم ويرشدهم ، ويقصّ عليهم أحسن القصص ، ويهديهم سواء السبيل .
القرآن جميل في لفظه ، جميل في معناه ، لا يبالغ ، ولا يغلو ، ولا يعدو الحقّ ، ويراعي طريق الصدق ، يتبرّأ عن الكذب ، وذلك نقص في جمال الشعر والأدب ، حتّى قيل عن الشعر : أعذبه أكذبه ، ولكنّ الصدق في الكلام ، والقول بالحقّ ، قد زاد في لفظ القرآن ومعناه جمالا فوق جمال ، وبراعة فوق براعة ، وهل يقدر أحد على ذلك ؟ ومن لطائف القرآن مكرّراته . إنّ في كلّ منها نوعا من الجمال والبراعة ، وإنّ تكراره للقصص - مع اختلاف في التعبير - من أجمل روائع الأدب ، وأبرع ما أتت به العرب .
ومن لطائفه : أنّ أحاديث القرآن لا تختصّ بفنّ من الفنون ، ولا بقسم من أقسام
هامش
( 1 ) . النمل ( 27 ) الآية 14 .