ومعجزات بقيّة الأنبياء محدّدة بمكان خاصّ ، قد شاهده أناس معدودون ، وحدّثوا بها الآخرين ، إذ لم تشاهد في غير محلّ وقوعها .
ومعجزة محمّد صلّى اللّه عليه وآله موجودة في كلّ صقع ماثلة أمام كلّ واحد ، فهو رسول اللّه للناس كافّة في أيّ زمان وفي أيّ مكان ، وما ذلك إلّا لأنّ غير الكلام من أفاعيل الإنسان لا يصلح لأن يشاهد في جميع الأزمنة والأمكنة .
ومنها : أنّ القرآن حيّ وله روح وحياة ، يرشد ويهدي ويوجّه ، فهو معجزة ناطقة ، وآية تدعو إلى إنقاذ البشريّة من الجهل إلى العلم ، ومن الضلال إلى الرشاد ، ومن الشقاء إلى السعادة
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
، « 1 » يعطي الحياة ، ويوقظ النائم ويشحنه بطاقة الوعي والتفكير . إنّه معجزة إصلاحيّة يكمّل العقول ويزكّي النفوس ، معجزة حيّة مدى القرون والأعصار ، ناطق في جميع الأحقاب والأزمان ، حاضرة لدى جميع الأمم والأجيال .
قيل : إنّ رجلا من الإنجليز ترجم القرآن بلغته ، ولم يكمل ترجمته حتّى آمن به ، هداه القرآن إلى الحقّ واعتنق الإسلام . وحياة القرآن حياة خالدة ، وحياة ناطقة ، إنّه حيّ فوق الأحياء ، وناطق فوق الناطقين ، حيّ لا يموت ، وناطق لا يتعب . إنّه داع وهاد ، يمدح المؤمن ، ويذمّ الفاسق ، يدافع عن المظلوم ، ويؤنّب الظالم .
حكى ابن الأثير في تاريخه : أنّ الخليفة الامويّ الوليد بن عبد الملك فتح المصحف فجاءت الآية
وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
، « 2 » فألقى المصحف ورماه بالسهام ، وقال :
تهدّدني بجبّار عنيد * فها أنا ذاك جبّار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر * فقل : يا ربّ مزّقني الوليد « 3 »
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 9 .
( 2 ) . إبراهيم ( 14 ) الآية 15 .
( 3 ) . الكامل في التأريخ ، ج 5 ، ص 290 ؛ تأريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 335 ، والظاهر أنّ الصحيح هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما في هنا وبقيّة كتب التاريخ .