أمّا معجزات سائر الأنبياء فكانت أحداثا كونية صامتة خالية من هذه الميزة ، لم تنطق ، ولم ترشد ، ولم تهد ولم توجّه ولم تنقذ ولم تكمّل ولم تزكّ .
قال « كربن » المستشرق الشهير : لو لم يكن شقّ القمر ، ولا المعراج ، ولا الخلق العظيم ، ولا القرآن مع ما فيه من المثل لكفى بهذه الآية
فَبَشِّرْ عِبادِ . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ . . .
« 1 » أن أؤمن بمحمّد وبكونه رسول اللّه تعالى .
لقد جلّ القرآن عن المثل ، إنّه صدر عمّن لا مثل له ، فهو كلام ليس له مثيل قد صدر عمّن ليس كمثله شيء .
ومنها : أنّ القرآن قد صنع من عناصر هي أسهل شيء للبشر ، وهي الحروف ، وهل هناك شيء أسهل على البشر من صياغة الحروف ؟ ولكن مع ذلك لم يستطع بشر أن يأتي بمثل القرآن .
ومن الواضح أنّ صياغة الحروف ممّا يتاح لكلّ أحد حتّى الصغار والأطفال ، فكيف بالأقوياء والكبار والأدباء والعلماء والكتّاب ، ولكنّهم لم يستطيعوا مع ذلك أن يأتوا بمثله ، ولن يستطيعوا أبدا .
ومنها : أنّ معرفة هذه الظاهرة واختيارها بين مثيلاتها من ظواهر أخرى ، لتكون عنصرا للإعجاز هو في حدّ ذاته معجزة أخرى لشخص النّبي محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، الرّجل الامّيّ الذي عاش في عصر من أبرز مميّزاته الامّيّة ، ومن أدّق خصائصه الجهل بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى ؛ وذلك لأنّ معرفة هذه الميزة في عنصر اللفظ يحتاج إلى رقيّ علميّ ، وبحث عميق ، وفحص كامل في الظواهر الكونية ، ولا يمكن ذلك إلّا للصفوة من أساتذة الجامعات والعلماء الكبار ، الّذين نشئوا في عصر ازدهار العلم ، وترعرعوا في المعاهد الكبرى والجوامع العليا .
وإذا كان يستحيل معرفة هذه الظاهرة واختيارها على رجل امّي نشأ من معهد
هامش
( 1 ) . الزمر ( 39 ) الآية 17 و 18 .