الامّيّة في عصر جاهلي فلا يكون ذلك إلّا بفضل من ربّه الّذي بعثه وأرسله .
ومنها : أنّ تكرار قراءة القرآن وإعادة النظر فيه بدون كلل أو ملل - وأنّ ذلك يأتي دائما بشيء جديد - فهو مثل المسك كلّما كرّرته يتضوّع .
نعم ، إنّ المواظب على قراءة القرآن يجده دائما جديدا غضّا ، كما أنّ المواظب على دراسة القرآن يستفيد منه - كلّما أعاد النظر فيه - علما جديدا ، أو فكرا جديدا لم يكن يعرفه . تلك هي ميزة القرآن عن جميع ما كتب وقرئ من محاسن الكتب ، وتأثير الخطب والشعر والأدب .
فعلوم القرآن ومعارفه لا تنتهي ، وذلك من ميزات القرآن ، فلقد صدر من مبدأ لا متناه من جميع الجهات .
ومنها : ذلك الأثر الذي يبقى منه في قلوب الناس وعقولهم وأذواقهم عند استماعه على تتابع القرون واختلاف الأجيال . فمن يقرأ القرآن أو يستمع إليه يعرف ذلك ، ومن لا يقرّ بذلك يكذب على نفسه . نعم ، إنّ من يقرأ القرآن يخشع له قلبه ، و - يرضى منه عقله ، فإذا نفسه تعارضه فإنّها لأمّارة بالسوء ، إنّه يناقض ضميره ، ويعادي وجدانه ، إنّه يظهر الرفض ويضمر الاستجابة .
ذكر في السيرة الحلبيّة أنّ الوليد بن المغيرة - وكان المقدّم في قريش بلاغة وفصاحة ، وكان يقال له : ريحانة قريش - جاء محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وقال له : اقرأ عليّ ، فقرأ :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
. « 1 »
قال له : أعده ، فأعاد ذلك ، قال : واللّه إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمعذق ، وما يقول هذا بشر ، وإنّه ليعلو ولا يعلى عليه . قال ذلك الوليد ولم يسلم ، وبقي على الشرك حتّى هلك . لقد اختلفت قلوب وألسنة هؤلاء ، قلوبهم تخشع ، وألسنتهم تنكر ، ووجوهم تعرض ،
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها
هامش
( 1 ) . النحل ( 16 ) الآية 90 .