تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
صدق لسفارته لكي تكون سفارته موثوقة ، وحتّى لا يتيسّر لكلّ أحد دعوى السفارة ، وأنّ شاهد الصدق هو ورق الاعتماد الموقّع بتوقيع من جاء السفير من قبله . إذن يجب أن تكون أوراق الاعتماد للأنبياء المرسلين موقعة بتوقيع اللّه تعالى . والتوقيع الإلهيّ إعطاء اللّه رسوله قدرة على فعل يعجز عنه البشر ، وقد يصدر ذلك الفعل منه تعالى بشكل مباشر . وتلك الوثيقة التي تكون مع سفراء اللّه إلى الخلق تسمّى بالآية على حدّ التعبير القرآني ، كما تسمّى بالبيّنة ، وتسمّى في لسان المسلمين بالمعجزة ، إذ لا يستطيع أحد من الناس أو جميعهم الإتيان بمثلها ، فإذا كان البشر قادرين على الإتيان بمثلها لم تكن معجزة ، ولم تكن شاهد صدق لدعوى النبيّ ، بل تكون اختراعا بشريّا ، والمخترع ليس بنبيّ ولا برسول من اللّه تعالى . إنّ البشر كافّة - أفرادا ومجتمعات - لا بدّ وأن يعجزوا عن الإتيان بمثل المعجزة ، حتّى وإن وصل الرقيّ البشريّ إلى حدّ يا بني ناطحات السحاب في كوكب المرّيخ . إنّ البشر يعجزون عن مثل جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السّلام في آن واحد ، أو عن مثل عصا موسى عليه السّلام ، أو عن إحياء الموتى الذي كان بيد عيسى عليه السّلام وإذا افترض استطاعة البشر لذلك بطاقة ذرّيّة أو بما هو أقوى منها أن يطفئ نارا ملأت أرضا واسعة فهذا حدث طبيعي ، وأين ذلك من صيرورة النار بردا بلا وسيلة طبيعيّة ؟ ويصعب على العقل البشريّ أن يصدّق أنّ عصا خشبيّة تتحوّل حيّة تسعى بمجرّد أن تلقى على الأرض ، فضلا عن استطاعة شخص أن يأتي بمثلها . وإذا افترض بلوغ رقيّ الطبّ إلى حدّ إحياء الموتى فذلك حدث طبيعي ، إذ يكون ذلك بمساعدة الأدوية والعقاقير ، وكم من البون الشاسع بين ذلك وبين توجيه الأمر بالقيام إلى ميّت فيحيا ويقوم ؟ وممّا يلفت النظر : أنّ كثيرا من معجزات الأنبياء كانت على خلاف شرائع الطبيعة وسننها ، فإنّنا نجد مع ذلك أنّها قد تكون على طبيعتها وجارية على سننها ، ولكن مع ذلك لا يقدر البشر على الإتيان بمثلها ، وهذه أعظم المعجزات بلا شكّ ، وهي القرآن دون سواه .
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 172 | السيد رضا الصدر