تجانس فلا مجتمع . كما أنّ بقاء المجتمع إنّما هو ببقاء التجانس بين أفراده ، فإذا زال عنهم ذلك انفصمت عراه ، واندثرت معالمه . وإذا لم يكن المبعوث إلى البشر بشرا فلا تصير كلمته نافدة ، ولم يتح له أن يغدو أسوة للمجتمع البشري ، إذ المغايرة بين الرسول والمرسل إليهم عقبة كئود في سبيل رسالته ، وسدّ محكم بينه وبين مقصده . فداعية القوم يجب أن يكون منهم وفيهم ، وإلّا لا تنجح دعوته ، ولا تربح تجارته ؛ لأنّ المجانسة بينه وبين من يدعوه تمنعه عن الاعتذار بأنّه لا يستطيع القيام بما دعي إليه ، أو غير قادر عليه ، وذلك أقوى الاعتذارات للنفوس التي لا تحبّ استجابة دعوة الحقّ ، وترفض اعتناق الإيمان إذا لم يتح لها تكذيب الداعية وإنكار دعوته ، فيتعلّلون بهذه العلّة .
إنّ كثيرا من المجرمين يحبّون أن لا يروا أنفسهم مذنبين وهم مجرمون ! ولذا يفتّشون عن عذر لارتكابهم للجريمة يقنعون به أنفسهم ، ويعتذرون به لغيرهم .
ومغايرة الداعية لهم بحسب الجنس من أقوى الأعذار لأمثال هؤلاء .
ومن الجدير بالذكر : أنّ أحد أسباب شيوع التصوّف بين المسلمين هو هذه النزعة ، إذ التصوّف يحكم على المجرم بالبراءة ، ويبيح له ارتكاب الجريمة ، ويفتح له أبواب جديدة ، ويعلّمه العذر ، ويقول له : لا تثريب عليك من هذا الإثم إذا طبت نفسا ، أو قضيت في حلقة الذكر زمنا ، أو خصّصت ساعة من يومك بورد أو ذكر أو دعاء .
وقد أباح الشيوعيّون لأنفسهم كلّ إثم ، زعما منهم أنّ ذلك يقرّب ساعة الثورة !
وابتدع بعض القساوسة ظاهرة اشتراء الذنوب من المذنبين لإتمام بناء كنيسة قد عجزوا عن إتمام بنائها وجرى الباقون على أثره . ولست أدري بأيّ ثمن يبيعون ذنبهم العظيم ، وهو إباحة الجرائم والآثام .
كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله بشرا ، ولم يكن من الملائكة حتّى لا يتاح له نهي البشر عن اتّباع هواه وعن انهماكه في اللذات ، ولو كان ملكا من الملائكة لم تنجح دعوته إلى المثل والقيم ، وإلى كفاح الأنانيّة وجهاد النفس . إنّه بشر يفرح كما يفرحون ، ويجوع كما يجوعون ، ويعطش كما يعطشون ، ويشبع ويرتوي كما يشبعون ويرتوون . له أهل وبلد ، وقريب وعشير ، كما لهم أهل وبلد وقريب وعشير . إنّه بشر مطيع للّه ، ومجاهد
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 141
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص١٤١