القرآن لم يصف أحدهما بالإسرائيلي ، كما لم يصف نوحا بالسرياني ، بل لم يصف القرآن جميع الأنبياء الذين أورد أسماءهم وتحدّث عنهم بوصف يشير إلى انتسابهم إلى شعب أو قطر أو بلد . . . ، لأنّ هؤلاء القدّيسين أجلّ وأشرف من أن يحدّهم شعب ، أو يحيط بهم بلد ، إنّهم بشر جاءوا ليخلقوا من حيوان رشيق القد إنسانا ؛ لأنّه هو الكائن الذي له هذه القابليّة بين أنواع الحيوان . وليس بين هؤلاء العظماء وبين شعوبهم وبلادهم أيّة صلة إلهية وإن كانت الصلة الطبيعيّة موجودة بينهم . فالواجب هو أن تنسب الشعوب إليهم عوضا عن انتسابهم إليها ، فيقال للعربي : محمّدي ، ويقال للإسرائيلي : موسوي أو يسوعي .
لقد كان موسى وعيسى عليهما السّلام أفضل عند اللّه من إسرائيل . كما أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله أفضل عند اللّه من العروبة والعرب ومن عدنان وقحطان .
ومن طرائف الكلام : أنّ قوله تعالى
لِلْعالَمِينَ
وقوله تعالى :
مِثْلُكُمْ
وقوله تعالى :
مِنْكُمْ
يشير إلى جهاد القرآن للقوميّة ومكافحته للعنصريّة ، وقد خاطب العرب كبشر لا كأمّة عربيّة .
وفي قوله تعالى :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
إيماء إلى ذلك ، إذ لم يقل : لقد منّ اللّه على الامّة العربيّة إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ، كما لم يقل : رسولا عربيّا مبعوثا برسالة عربيّة . كما أنّ القرآن لم يصف محمّدا صلّى اللّه عليه وآله بالقرشيّة ، ولا بالهاشمية ، وكلّ ذلك مكافحة للقوميّة والقبليّة وإلغاء لها .
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ
المنّ : إعطاء النعمة . وإنّ النعمة التي منحها اللّه لعباده المؤمنين هي بعث الرسول بالإسلام ، قال تعالى :
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
« 1 » ، يشير إلى إلغاء أصناف القوميّات والعنصريّات
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) الآية 103 .