الطرف الثاني : في بيان ما يتعلّق بالفصاحة المعنوية
وإنما أوردنا هذا بيانا للفصاحة المعنوية لمّا كان متعلّقا بالمعاني دون الألفاظ ، وجملة ما نورده من ذلك ضروب عشرة ، ففيها كفاية في غرضنا .
الأول : التتميم ، وهو الإتيان بجملة عقيب كلام متقدّم لإفادة التوكيد له والتقرير لمعناه ، ومثاله قوله تعالى :
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
« 1 » فقوله :
وَهَلْ نُجازِي
إنّما ورد على جهة التوكيد لما مضى من الكلام الأول ، وقوله تعالى :
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
ثم قال :
أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ
« 2 » فأورده على جهة توكيد الكلام الأول ، ثم قال :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
« 3 » تأكيدا ثانيا لما سلف من الجملة الأولى ، واللّه أعلم بالصواب .
الثاني : الائتلاف والملاءمة ، وهو أن يكون اللفظ ملائما للمعنى ، فإذا كان الموضع موضعا للوعد والبشارة كان اللفظ رقيقا ، ومثاله قوله تعالى :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ
« 4 » وقوله تعالى :
نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
« 5 » فانظر إلى هذه الألفاظ كيف رقّت وكان فيها من السلاسة ما لا يخفى ، وإذا كان الموضع موضعا للوعيد والنذارة كان اللفظ جزلا ، ومثاله قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا
« 6 » وقوله تعالى :
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
« 7 » فانظر إلى التفاوت بين المقامين في الجزالة والرقّة ،
هامش
( 1 ) سبأ : 17 .
( 2 ) الأنبياء : 34 .
( 3 ) الأنبياء : 35 .
( 4 ) التوبة : 21 .
( 5 ) الصف : 13 .
( 6 ) الأنعام : 27 .
( 7 ) القصص : 62 و 74 .