السادس : الترصيع ، وهو من علم البديع بمحلّ ومكان رفيع ، ولم يرد في القرآن شيء منه على علوّ قدره وظهور بلاغته ، وهو قليل نادر لصعوبة الأمر فيه ، ولولا ما ورد من اختلاف الجمعين في الأبرار والفجّار وفي قوله :
لَفِي نَعِيمٍ
لكان ترصيعا في قوله تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ . وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
« 1 » فإنه لو أبدل الفجّار بلفظ يوازن الأبرار وأبدل لفظ في لكان ترصيعا ، لكن لمّا ورد هكذا لم يعدّ ترصيعا ، فلو قال مثلا : إنّ الأبرار لفي نعيم ، وإنّ الأشرار لمن جحيم ، لكان ترصيعا ، ولكنه جمع الفجّار للكثرة ، وجمع الأبرار للقلّة ، فأخرجه عمّا يرد من الترصيع تنبيها على قلّة أهل الإيمان وكثرة أهل الفجور ، وقد عرفت مثاله لو ورد على ما قلناه .
السابع : اللفّ والنشر ، وهو ذكر الشيئين على جهة الاجتماع مطلقين من غير تقييد ، ثم يرمي بما يليق بكل واحد منهما اتّكالا على قريحة السامع ، بأن يلحق بكل واحد منهما ما يستحقّه ، ومثاله قوله تعالى :
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
« 2 » فجمع أولا بين الليل والنهار بواو العطف ، ثم إنه بعد ذلك أضاف إلى كل واحد منهما ما يليق به ، فأضاف السكون إلى الليل ، من جهة أنّ تصرّف الخلق يقلّ ليلا لأجل ما يعتريهم من النوم ، ثم قال بعد ذلك
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
أضافه إلى النهار ، لأنّ ابتغاء الأرزاق إنما يكون نهارا بالتصرّف والاحتيال ، واكتفى في البيان والتفصيل بما يظهر من قرينة الحال في معرفة حكم كل واحد منهما كما مرّ بيانه .
الثامن : الموازنة ، وهو اتّفاق آخر الفقرتين في الوزن ، وإن لم يتجانسا في الأحرف ، ومثاله قوله تعالى :
وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ . وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
« 3 » فقوله : المستبين ، والمستقيم ، وزنهما واحد كما ترى ، ونحو قوله
هامش
( 1 ) الانفطار : 13 و 14 .
( 2 ) القصص : 73 .
( 3 ) الصّافات : 117 و 118 .