وكلّ واحد منهما ملائم للمعنى الذي جيء به من أجله ، وهكذا تجد ألفاظ القرآن على هذه الصفة ، وهذا إنما يدرك بالقريحة الصافية والذوق السليم .
الثالث : الجمع والتفريق ، وهما أيضا من أوصاف البلاغة ، فأمّا الجمع فكقوله تعالى :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
« 1 » وقوله تعالى :
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ
« 2 » فهذه الأمور قد جمعها . وأمّا التفريق فكقوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ . . .
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ
« 3 » وقوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ . . .
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ
« 4 » إلى غير ذلك من أفانين الجمع والتفريق ، وهما كثيرا الورود في كتاب اللّه تعالى .
الرابع : التهكّم ، وهو إنما يكون عن شدّة الغضب ، ومثاله قوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 5 » فالبشارة إنما تورد في الأمور السارّة اللذيذة ، وقد أوردها هنا في عكسها تهكّما بهم وغضبا عليهم ، ونحو قوله تعالى :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
« 6 » فالغرض من مقصودهم إنّك السفيه الجاهل ، ولكنّهم أخرجوه على هذا المخرج تهكّما به ، وإنزالا لدرجته عندهم ، ووروده في القرآن أكثر من أن يحصى على أفانين مختلفة ، وقد أشرنا إليها فيما سبق .
الخامس : التسجيل ، وهو عبارة عن تطويل الكلام لإفادة مدح أو ذمّ ، ومثاله الآيات الواردة في عبدة الأوثان والأصنام ، فإنّ اللّه تعالى ما ذكرهم إلّا وسجل عليهم بالنعي لأفعالهم ، والذمّ لمقالتهم ، والاستهجان لعقولهم ، والإنزال لدرجاتهم ، وهذا كقوله تعالى :
هامش
( 1 ) آل عمران : 14 .
( 2 ) الكهف : 46 .
( 3 ) هود : 106 - 107 .
( 4 ) آل عمران : 106 و 107 .
( 5 ) آل عمران : 21 ، التوبة : 34 ، الانشقاق : 24 .
( 6 ) هود : 87 .