والتذلل من موسى ( عليه السلام ) قال تعالى :
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ، أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا
« 1 » أي بما فعل السفهاء منا من التجاسر على سؤال الرؤية . فإضافة ذلك إلى السفهاء تدل على أنّه كان بسببهم ومن أجلهم ، وإنّما سألوا ما لا يجوز عليه « 2 » .
وأمّا قوله :
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
فانّما هو تعليم لقومه كما في قوله تعالى :
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ
« 3 » . ومن ثمّ جاء في موضع آخر
أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ . وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ
« 4 » . فكما إنّ السؤال كان عن قومه ، كانت التوبة - أيضا - استغفارا لقومه .
وقد حمل بعضهم الرؤية في سؤال موسى ( عليه السلام ) على العلم الضروري الذي لا حاجة معه إلى إقامة برهان ، وهذا هو جواب أبي الهذيل العلاف المعتزلي ، واختاره وأيده سيدنا الطباطبائي - دام ظلّه - « 5 » . لكن القاضي عبد الجبار ، وكذا الشريف المرتضى ، لم يرتضياه ، أمّا القاضي ، فقال : لأنّ الرؤية إنّما تكون بمعنى العلم متى تجردت ، فأمّا إذا قارنها النظر فلا تكون بمعنى العلم . وأمّا الشريف المرتضى ، فقال : لان ذكر الجهرة في الرؤية لا تليق إلّا برؤية البصر دون العلم . قال : وهذا يقوي أنّ الطلب لم يكن للعلم الضروري .
هامش
( 1 ) الأعراف : 155 .
( 2 ) راجع في ذلك : أمالي المرتضى : ج 2 ص 215 مجلس 70 . ومتشابهات القرآن لابن شهرآشوب : ج 1 ص 96 . وقصص الأنبياء للنجار : ص 292 . وشرح الأصول الخمسة للقاضي : ص 262 . ومتشابه القرآن - أيضا - له : ج 1 ص 291 .
( 3 ) يس : 22 - 25 .
( 4 ) الأعراف : 155 - 156 .
( 5 ) تفسير الميزان : ج 8 ص 252 .