تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
وربّما يقال : إنّ موسى ( عليه السلام ) سأل الرؤية لنفسه ، ولا يمتنع أن لا يعرف النبيّ استحالته ، أو يطلب زيادة معرفة بزيادة الأدلّة وترادفها . وأجاب القاضي بأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم أن يجهلوا ما يرجع إلى معرفة اللّه تعالى وشؤونه ، لما في ذلك من النفرة عنهم ، حيث يؤدي إلى جواز أن يسألوا عن ذلك فيجهلوه ويعرفه غيرهم « 1 » . 3 - وأمّا الاستدلال بامكان استقرار الجبل دليلا على امكان الرؤية ، فيرده : أنّ التعليق في الآية كان على نفس الاستقرار وفعليته ، لا على امكانه « فان استقر مكانه فسوف تراني » ، فإذا علم أنّه لا يستقر ، علم أنّه تعالى لا يرى . ثمّ من أين علم المستدل امكان الاستقرار للجبل عند تجلي عظمة اللّه له ، فلعل الكون بأسره لا يطيق استقرارا تجاه تلك العظمة والجبروت ، إذ التناسب بين جبروت كبريائه تعالى ودائرة نطاق هذا الكون ، لأكبر مما بين الجمل وسم الخياط - « 2 » فكما أنّ ذلك غير ممكن فكذا هذا بالأولى إذا ما لاحظنا الفارق بين النسبتين . وأمّا التجلي في قوله تعالى :
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ
فهو اظهار عظيم قدرته وتجلى جبروته تبارك وتعالى ، بما أوجب دكا في الجبل ، إذ لم يستطع المقاومة . والتجلي : شدة ظهور الشيء ووضوحه ولو بالدلائل والآثار ، قال الشاعر :
تجلى لنا بالمشرفية والقنا * وقد كان عن وقع الأسنة نائيا
أراد أنّ تدبيره في تخطيط القتال دلّ عليه حتى علم أنّه المدبر له ، وان كان نائيا عن وقع الأسنة ولم يحضر الحرب بنفسه . فأقام ما ظهر من دلالة فعله مقام مشاهدته ، وعبر عنه بأنه تجلى منه .
هامش
( 1 ) متشابه القرآن للقاضي : ج 1 ص 295 . ( 2 ) الأعراف : 40 .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 100 | الشيخ محمد هادي معرفة