تعالى :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
« 1 » . فلا نظر منهم الا اليه سبحانه ، وقد صار علم يقينهم عين يقين . وانكشف لهم من أسرار الملك والملكوت ما كانوا يعلمونه بالدلائل والآيات .
والنظر إلى كذا ، لا يختص بمعنى تحديق العين اليه ، بل يستعمل بمعنى القصد اليه وكمال التوجه اليه أيضا ، كما يقال : ان هذه القصيدة تنظر إلى قصة كذا ، أو ان هذه الآية تنظر إلى مناسبة كذا . أي تهدف في مضمونها . وهكذا يقال :
نظري إليك ، أي رجائي منقطع عمّن سواك ، كقول الشاعر :
وإذا نظرت إليك من ملك * والبحر دونك جرتني نعما
وقال آخر :
اني إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر
ولم يقصدا سوى الرجاء والتوجه بكل وجودهما ، لا بالجارحة .
قال جار اللّه الزمخشري : سمعت سرويّة مستجدية بمكة وقت الظهر ، حين غلق الناس أبوابهم وأووا إلى مقائلهم ، تقول : « عيينتي نويظرة إلى اللّه وإليكم » تقصد راجية ومتوقعة لإحسانهم إليها . وقال : قولهم : أنا أنظر إلى اللّه ثم إليك معناه : أتوقع فضل اللّه ثم فضلك « 2 » قال الإمام الرازي في قول الشاعر :
وجوه يوم بدر ناظرات * إلى الرحمن تنتظر الفلاحا
ان الرواية الصحيحة : يوم بكر . والمراد من هذا الرحمن مسيلمة الكذاب .
قلت : فليكن ، بعد أن لم يكن النظر هنا هو تحديق العين بل الرجاء وتوقع الفرج ، سواء أكان هو رحمان العالمين أم رحمان اليمامة .
فمعنى الآية - على هذا - ان المؤمنين يوم القيامة في بهجة وسرور ، لأنهم لا يتوقّعون النعمة والكرامة الا من عند ربهم ، وقد تحققت أمانيّهم بعين شهود .
هامش
( 1 ) البقرة : 156 .
( 2 ) راجع : الكشاف ج 4 ص 662 . وأساس البلاغة : ج 2 ص 456 .