تفصيل ، وحاربوا الأنظار الوضعية التي تثبت للّه تعالى جسما ، له وجه ويدان وعينان ، وله جهة هي الفوقية وأنّ له عرشا يستوي عليه ، وأنّه يرى بالأبصار ، وأنّه خلق آدم بيده ، إلى آخر ما قالته الأشاعرة وأذنابهم من المشبهة والكرامية - حسبما تقدم - فأتى أهل العدل وسموا على هذه الأنظار ، وفهموا من روح القرآن تجريد اللّه عن المادية ، فساروا في تفسيرها تفسيرا دقيقا واسعا ، وأوّلوا ما يخالف هذا المبدأ ، وسلسلوا عقائدهم تسلسلا منطقيا . فإذا كان اللّه تعالى ليس مادة ، ولا مركبا من مادة ، فليس له يدان ولا وجه ولا عينان ، لأنّ ذلك يدل على جزء من كلّ ، واللّه تعالى ليس كلا مركبا من أجزاء ، وإلّا كان مادة . وإذا كان كذلك فليس تدركه عيوننا التي خلقت ، وليس قدرتها إلّا أن ترى ما هو مادة ، وما هو في جهة ، وهكذا ساروا في هدى العقل جريئين ، ويقررون ما يرشد إليه في شجاعة وإقدام . وهم أمام النقل يسلمون ما يوافق منها البرهان العقلي ويؤولون ما يخالفه بكل صراحة ، من غير خوف من النتائج مهما كانت ، متى اطمأنوا إلى أنهم يسايرون العقل ، فالعقل هو الحكم عندهم بين الآيات المتشابهات ، وهو الحكم على الحديث ، ليقرر عدم صحته ان لم يوافق العقل ولم يحتمل التأويل « 1 » وهم انّما يؤولون المتشابه على حساب تحقيق المحكم من العقل والنقل ، على عكس الأشاعرة ، الذي يعمدون إلى تأويل المحكم على حساب التحفظ على ظاهر المتشابه ، كما تقدم تأويل أبي الحسن الأشعري قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
على حساب التحفظ على ظاهر قوله تعالى :
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
. هذا هو الفارق الأساسي بين الفريقين - فريق أهل العدل والتنزيه ، وفريق أهل السنة والجماعة - حسب تعبيرهم هم .
وقد فصل الكلام - في نفي رؤيته تعالى - القاضي عبد الجبار في كتابه :
هامش
( 1 ) راجع : ضحى الاسلام للأستاذ أحمد أمين : ج 3 ص 68 - 69 .