تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
الجبل مستقرا ، كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى . فدل ذلك على أنّ اللّه تعالى قادر على أن يري نفسه ، وأنّه جائز رؤيته . فان قال قائل : فلم لا قلتم انّ هذه الآية تبعيد للرؤية ؟ ، قيل له : لو أراد اللّه تبعيد الرؤية ، لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه ، ولم يقرنه بما يجوز وقوعه ، فلما قرنه باستقرار الجبل ، وذلك أمر مقدور للّه عزّ وجلّ ، دلّ ذلك على أنّه جائز أن يرى اللّه . ألا ترى أنّ الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا مع أخيها ، قرنت الكلام بمستحيل ، فقالت :
ولا أصالح قوما كنت حربهم * حتى تعود بياضا حلكة القار « 1 » .
قال : واللّه تعالى إنّما خاطب العرب بلغتها ، وما نجده مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها ، فلما قرن الرؤية بأمر مقدور جائز ، علمنا أنّ رؤية اللّه بالأبصار جائزة غير مستحيلة . 4 - قال : ودليل آخر ، قال تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
« 2 » قال أهل التأويل : الزيادة الموعودة هنا هو النظر إليه تعالى ، قالوا : ولم ينعم اللّه عزّ وجلّ أهل جنانه بأفضل من نظرهم إليه « 3 » . 5 - وهكذا قوله تعالى :
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ
« 4 » قيل : المزيد هو
هامش
( 1 ) الحلكة : شدة السواد . والقار : القير . ( 2 ) يونس : 26 . ( 3 ) قال ابن كثير : وأفضل ما ينعم به أهل الجنة وأعلاه هو النظر إلى وجهه الكريم ، وقد روي ذلك عن أبي بكر الصديق ، وحذيفة بن اليمان ، وعبد اللّه بن العباس ، وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلي ، وعبد الرحمن بن سابط ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعامر بن سعد ، وعطاء والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهم من السلف والخلف . وقد وردت فيه أحاديث كثيرة . التفسير : ج 2 ص 414 . وراجع : الطبري - التفسير - ج 11 ص 73 - 75 . وغيره من أصحاب التفسير بالمأثور . وهكذا أرباب التفسير الصوفي كالقشيري في « لطائف الإشارات » ج 3 ص 91 . والخواجا عبد اللّه الأنصاري في تفسيره العرفاني . راجع : ملخصه للإمام أحمد الميبدي : ج 1 ص 429 . يقول الخواجا : « وشرط است كه ميزبان ديدار خود را از مهمانان بازنگيرد » . ( 4 ) ق : 35 .