الرؤية :
1 - قال - في قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
« 1 » - يعني رائية . إذ ليس يخلو النظر من وجوه ثلاثة ، إمّا نظر الاعتبار ، كما في قوله تعالى :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
« 2 » . أو نظر الانتظار ، كما في قوله :
ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً
« 3 » . أو نظر الرؤية . أمّا الأول فلا يجوز ، لأنّ الآخرة ليست بدار اعتبار . وكذا الثاني ، لأنّ النظر إذا ذكر مع الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه . ولأن نظر الانتظار لا يقرن « إلى » ، كما في قوله تعالى :
فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
« 4 » . فان قال قائل : لم لا يجوز أن يراد « إلى ثواب ربها ناظرة » ؟ ، قيل له : ثواب اللّه غيره ، وقد قال تعالى : إلى ربها ناظرة ، ولم يقل : إلى غيره ناظرة . والقرآن على ظاهره . وليس لنا أن نزيله عن ظاهره ، إلّا لحجة . ألا ترى أنّه لما قال : صلوا لي واعبدوني لم يجز أن يقول قائل : إنّه أراد غيره ، ويزيل الكلام عن ظاهره ، فلذلك لما قال : إلى ربها ناظرة ، لم يجز لنا أن نزيل القرآن عن ظاهره بغير حجة .
2 - وتشبث - أيضا - بقوله تعالى :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
« 5 » قال . دلت الآية على أنّ اللّه تعالى يرى بالأبصار ، إذ لا يجوز أن يكون موسى ( عليه السلام ) قد سأل ربّه ما يستحيل عليه ، وقد ألبسه اللّه جلباب النبوة وعصمه بعصمة المرسلين . وإذا لم يجز ذلك على موسى ( عليه السلام ) فقد علمنا أنّه لم يسأل ربّه مستحيلا ، وأنّ الرؤية جائزة على ربنا عزّ وجلّ .
3 - قال : ودليل آخر ، مما يدل على جواز رؤية اللّه بالأبصار ، قوله تعالى لموسى :
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
« 6 » . فلما كان اللّه قادرا على أن يجعل
هامش
( 1 ) القيامة : 23 .
( 2 ) الغاشية : 17 .
( 3 ) يس : 49 .
( 4 ) النمل : 35 .
( 5 ) الأعراف : 143 .
( 6 ) الأعراف : 143 .