فوجب ان يكون كلامه الذي هو أمره غير مخلوق « 1 » .
وبذلك أثبت قدم كلامه تعالى وقيامه بذاته المقدسة .
وأظننا في غنى عن تفنيد هذا الاستدلال المزيّف بعد أن كان أشبه بسفاسف الكلام .
صفات تنزيه :
كان ما سبق صفات ثبوتية ، وتسمى « صفات جمال » ، وفي قبالها صفات سلبية ، تسمى « صفات جلال » ، وهي التي تجل ذاته المقدسة عن الاتصاف بها ، واتفق أهل العدل على تنزيه تعالى عنها .
أمّا أهل التجسيم فزعموا من ذاته المقدسة جسما متركبا من أعضاء وجوارح ، وأثبتوا له الجهة والمكان والحركة ، وامكان رؤيته بالأبصار ، ومسّه بالأيدي في مصافحة ومعانقة . قالوا : إنّه متربّع على كرسيّ عرشه فوق السماوات ، وسوف ينزل إلى الملاء يوم القيامة ليراه المؤمنون بعيونهم ، ويكشف عن ساقه ويضع رجله في جهنم فتقول : يا ربّ ، قط قط .
هذا قول أوائلهم ، وقد شنّع عليهم هذا القول ، فقالوا : إنّه جسم لا كالأجسام ، وله لحم لا كاللحوم ، ودم لا كالدماء . . . الخ .
وقد تقدّم كلامهم عند الكلام عن المجسمة .
ولا كلام لنا معهم الآن ، وقد انقطع دابرهم ، ولم يبق منهم سوى نقل آثار .
إنّما الكلام مع الأشعري الذي لم يبتعد عن القول بالتجسيم كثيرا ، سوى أنّه قال بمقالتهم في شيء من اللفّ والالتواء ، وصريح كلامه - في الإبانة والمقالات - هو الالتزام بالتجسيم ، أخذا بظواهر آيات وروايات . وقد بقيت آراؤه سائدة حتى هذا العهد . لا سيّما في أوساط مرتجعة لم تنضج فكرتهم عن التوحيد والنبوات ، سوى نظرات سطحية وشكلية محضة وغالبيتهم من المتأثرين
هامش
( 1 ) الإبانة : ص 19 .