تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وقد ذهب أهل العدل والتنزيه إلى أنّ مبادئ هذه الصفات غير قائمة بذاته المقدسة ، لأنّها أحوال وحوادث ، واللّه تعالى متنزه أن يكون محلّا للحوادث . وذهب الأشعري إلى أنّ مبادئ هذه الصفات - أيضا - قائمة بذاته المقدسة ، فهو تعالى متكلّم بكلام هو قائم بذاته تعالى ، مريد بإرادة أزلية قائمة بذاته . ومن ثمّ زعم أنّ كلامه تعالى قديم ، لأنّ القائم بذات قديمة قديم . قال أهل العدل والتنزيه : معنى أنّه تعالى يتكلّم : أنّه يخلق الكلام المسموع ، وهي عبارة عن اهتزازات وذبذبات تحدث في أمواج الهواء يخلقها اللّه تعالى عند إرادة الكلام ، وأما غيره فيتكلم بآلة ، وان ذاك التموج يحصل بقرع اللسان والأسنان . قالوا : وارادته تعالى هو فعله ، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها . ومن ثمّ قالت المعتزلة : كلام اللّه مخلوق وقالت الأشاعرة : غير مخلوق ، فكان ذلك الجدل العنيف ، وقد ذهبت في طيّه نفوس . استدلت الأشاعرة بأنّها صفات اشتقاق ، فلا بدّ من اثبات مباديها للذات ، كما إذا وصفنا بها بعضنا . قال التفتازاني : « ضرورة امتناع اثبات المشتقّ للشيء من غير قيام مأخذ الاشتقاق به » « 1 » . وتشبث الأشعري بقوله تعالى : « وكلّم اللّه موسى تكليما » - قال : والتكليم هو المشافهة بالكلام ، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلّم حالّا في غيره ، مخلوقا في شيء سواه ، كما لا يجوز ذلك في العلم « 2 » . وبقوله تعالى :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
« 3 » ، دلت الآية على أنّ الأمر شيء غير الخلق . ثمّ قال تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ
« 4 » قال : وامر اللّه - هنا - هو كلامه تعالى . وبما أنّ الأمر غير مخلوق - كما في الآية الأولى -
هامش
( 1 ) شرح العقائد النسفية : ص 44 . ( 2 ) الإبانة : ص 22 . ( 3 ) الأعراف : 54 . ( 4 ) الروم : 25 .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 86 | الشيخ محمد هادي معرفة