تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
يقولون لأهل الجبر - يعني بهم الأشاعرة : أنتم القدرية ، وأهل الجبر يقولون لأهل العدل : أنتم القدرية . وإنّما تبرأ الجميع من ذلك ، لأنّهم رووا - من طريق أبي هريرة - عن النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) أنّه لعن القدرية ، وقال : إنّهم مجوس هذه الأمة ، ان مرضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا تشهدوهم » « 1 » . قلت : أمّا الحديث فمفتعل بلا ريب . قال أبو حاتم : « وهذا الحديث باطل » . وقال النسائي : « هذا الحديث باطل كذب » . ويذكر ابن الجوزي حديث لعن القدرية ، ثمّ يعقب : « هذا حديث لا شك في وضعه » « 2 » . أمّا استدلال الأشعري فلا يعدو مغالطة مفضوحة ، إذ « القدرية » نسبة إلى القول بالقدر - بفتحتين - كالجبرية نسبة إلى القول بالجبر ، وليس اشتقاقا من القدرة بمعنى الاستطاعة . هذا فضلا عن أنّ القياس بالصائغ ، قياس مع الفارق بعد أن كانت الكلمة المبحوث عنها « قدرية » - بياء نسبة - لا « قادر » اسم فاعل . وعليه فلو صحّ الحديث - ولم يصحّ - كان انطباقه على مذهب الأشعري ، القائل بالقدر ، وسلب قدرة العباد ، أولى من انطباقه على مذهب الاعتزال ، القائل باستقلال العباد في اختياراتهم للأفعال . فالقدرية - على ذلك - هم الجبرية من غير فرق . وكذلك اذنابهم من الفرق المتأخرة كالتيميّة والوهابية ، على ما سنرمز إليهم في الفصل القادم على الهامش . وإذ قد تبيّنا المذاهب التي عملت في تشويه مفاهيم الاسلام ، وكانت
هامش
( 1 ) كنز الفوائد للكراجكي : ص 49 . ( 2 ) راجع : الموضوعات لابن الجوزي : ج 1 ، ص 275 - 276 . وجاء في مسند أحمد وغيره ما يناقض الحديث المذكور . فقد روى ابن عمر عن النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) أنه قال : « لكل أمة مجوس ، ومجوس امّتي الذين يقولون : لا قدر . ان مرضوا فلا تعودوهم ، وان ماتوا فلا تشهدوهم » . المسند : ج 2 ص 86 .