أصحاب الأشعري إلى القول بالجبر ، ومال آخرون إلى أنّ لها تأثيرا ما ، وهو اختيار الباقلاني ، لكنه لما سئل عن كيفية هذا التأثير ، في حين التزامه باستقلال القدرة القديمة في خلق الأفعال ، لم يحر جوابا ، وقال : إنّا نلتزم بالكسب لأنّه ثابت بالدليل ، غير أنّي لا يمكنني الافصاح عنه بعبارة . وتمثل الشيخ أبو طاهر بقول الشاعر :
إذا لم يكن إلّا الأسنّة مركب * فلا رأي للمضطر إلّا ركوبها
قال الشعراني : وملخص الأمر : أنّ من زعم أن لا عمل للعبد فقد عاند ، ومن زعم أنّه مستبد بالعمل فقد أشرك ، فلا بدّ أنّه مضطرّ على الاختيار .
أمّا الكشف الصوفي فقد جاء في كلام الشيخ محيي الدين ابن العربي - في الفتوحات المكية باب 22 - : ان صورة مسألة خلق الأفعال صورة « لا » من حروف الهجاء ، فان الرائي لا يدري أي الفخذين هو اللام حتى يكون الآخر هو الألف ، ومن ثمّ يسمى هذا الحرف حرف الالتباس . وهكذا لم يتخلص الفعل الظاهر على يد المخلوق لمن هو ؟ ولكن ان قلت : هو للّه ، صدقت . وان قلت للمخلوق مع اللّه ، صدقت . ولولا ذلك لما صح التكليف ولا إضافة العمل اليه بنحو قوله : « اعملوا » .
وقال - في باب 422 - : انّما أضاف تعالى الأعمال إلينا ، لأننا محل الثواب والعقاب ، وهي للّه حقيقة . ولكن لما شهدنا الأعمال بارزة على أيدينا وادعيناها لنا ، أضافها تعالى إلينا بحسب دعوانا ، ابتلاء منه لأجل الدعوى . ثمّ إذا كشف اللّه تعالى عن بصيرتنا ، رأينا الأفعال كلها للّه تعالى ، ولم نر إلّا حسنا ، فهو تعالى فاعل فينا ما نحن العاملون . ثمّ مع هذا المشهد العظيم لا بدّ من القيام بالأدب ، فما كان من حسن - شرعا - أضفناه اليه تعالى خلقا ، وإلينا محلّا . وما كان من سيئ أضفناه إلينا بإضافة اللّه تعالى ، فنكون حاكين قول اللّه عزّ وجلّ ، وحينئذ يرينا اللّه وجه الحكمة في ذلك المسمى سوءا فنراه حسنا